القرطبي

201

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ولا تشركوا به شيئا ) . ثم ذكر بعد الايمان الصلاة التي هي رأس العبادات ، ولذلك يقتل تاركها ولا يسقط فرضها ، وانجر الكلام إلى ذكر شروطها التي لا تصح إلا بها . الثانية - والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر ، إلا الضحاك فإنه قال : المراد سكر النوم ، لقوله عليه السلام : ( إذا نعس أحدكم في الصلاة فليرقد حتى يذهب عنه النوم ، فإنه لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه ) . وقال عبيدة السلماني : ( وأنتم سكارى ) يعني إذا كنت حاقنا ( 1 ) ، لقوله عليه السلام : ( لا يصلين أحدكم وهو حاقن ) في رواية ( وهو ضام بين فخذيه ) . قلت : وقول الضحاك وعبيدة صحيح المعنى ، فإن المطلوب من المصلي الاقبال على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره ، والخلو عن كل ما يشوش عليه من نوم وحقنة وجوع ، وكل ما يشغل البال ويغير الحال . قال صلى الله عليه وسلم : ( إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة ( 2 ) فابدأوا بالعشاء ) . فراعى صلى الله عليه وسلم زوال كل مشوش يتعلق به الخاطر ، حتى يقبل على عبادة ربه بفراغ قلبه وخالص لبه ، فيخشع في صلاته . ويدخل في هذه الآية : ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ( 3 ) ) على ما يأتي بيانه . وقال ابن عباس : إن قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) منسوخ بآية المائدة : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) الآية . فأمروا على هذا القول بألا يصلوا سكارى ، ثم أمروا بأن يصلوا على كل حال ، وهذا قبل التحريم . وقال مجاهد : نسخت بتحريم الخمر . وكذلك قال عكرمة وقتادة ، وهو الصحيح في الباب لحديث علي المذكور . وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أقيمت الصلاة فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقربن الصلاة سكران ، ذكره النحاس . وعلى قول الضحاك وعبيدة الآية محكمة لا نسخ فيها . الثالثة - قوله تعالى : ( لا تقربوا ) إذا قيل : لا تقرب ( 4 ) بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل ، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه . والخطاب لجماعة الأمة

--> ( 1 ) الحاقن : المجتمع بوله كثيرا . ( 2 ) في ج وط وى : العشاء . وهو رواية . راجع كشف الخفاء . ج 1 ص 87 . ففيه بسط . ( 3 ) راجع ج 12 ص 102 ( 4 ) في ج : تقربوا ، تلبسوا ، تنوا .