القرطبي
190
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيك جاهلية ) قلت : يا رسول الله ، من سب الرجال سبوا أباه وأمه . قال : ( يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم ) . وروي عن أبي هريرة أنه ركب بغلة ذات يوم فأردف غلامه خلفه ، فقال له قائل : لو أنزلته يسعى خلف دابتك ، فقال أبو هريرة : لان يسعى معي ضغثان ( 1 ) من نار يحرقان مني ما أحرقا أحب إلي من أن يسعى غلامي خلفي . وخرج أبو داود عن أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من لايمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون واكسوه مما تكتسون ومن لا يلايمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله ) . لايمكم وافقكم . والملايمة الموافقة . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق ) وقال عليه السلام : ( لا يقل أحدكم عبدي وأمتي بل ليقل فتاي وفتاتي ) وسيأتي بيانه في سورة يوسف ( 2 ) عليه السلام . فندب صلى الله عليه وسلم السادة إلى مكارم الأخلاق وحضهم عليها وأرشدهم إلى الاحسان وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يرو الا نفسهم مزية على عبيدهم ، إذ الكل عبيد الله والمال مال الله ، لكن سخر بعضهم لبعض ، وملك بعضهم بعضا إتماما للنعمة وتنفيذا للحكمة ، فإن أطعموهم أقل مما يأكلون ، وألبسوهم أقل مما يلبسون صفه ومقدارا جاز إذا قام بواجبه عليه . ولا خلاف في ذلك والله أعلم . وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو إذ جاءه قهرمان ( 3 ) له فدخل فقال : أعطيت الرقيق قوتهم ؟ قال لا . قال : فأنطلق فأعطهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم ) . الخامسة عشرة - ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ضرب عبده حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه ( 4 ) ) . ومعناه أن يضربه قدر الحد ولم يكن عليه حد . وجاء عن نفر من الصحابة أنهم اقتصوا للخادم من الولد في الضرب وأعتقوا الخادم لما لم يرد
--> ( 1 ) ضغثان : خرمتان من حطب فاستعار هما للنار ، يعنى أنهما قد اشتعلتا وصارتا نارا . ( 2 ) راجع ج 9 ص 176 ، 188 ، 222 ( 3 ) القهرمان ( بفتح القاف وتضم ) كالخازن والوكيل ، والحافظ . لما تحت يده والقائم بأمور الرجل ، بلغة الفرس . ( 4 ) الحديث في مسلم : ( ضرب غلاما له - فان كفارته ) .