القرطبي
175
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والمراد إن خفتم شقاقا بينهما ، فأضيف المصدر إلى الظرف كقولك : يعجبني سير الليلة المقمرة ، وصوم يوم عرفة . وفي التنزيل : ( بل مكر الليل والنهار ( 1 ) ) . وقيل : إن ( بين ) أجري مجرى الأسماء وأزيل عنه الظرفية ، إذ هو بمعنى حالهما وعشرتهما ، أي وإن خفتم تباعد عشرتهما وصحبهما ( فابعثوا ) . و ( خفتم ) على الخلاف المتقدم ( 2 ) . قال سعيد بن جبير : الحكم أن يعظها أولا ، فإن قبلت وإلا هجرها ، فإن هي قبلت وإلا ضربها ، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها ، فينظران ممن الضرر ، وعند ذلك يكون الخلع . وقد قيل : له أن يضرب قبل الوعظ . والأول أصح لترتيب ذلك في الآية . الثانية - والجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله : ( وإن خفتم ) الحكام والامراء . وأن قوله : ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ) يعني الحكمين ، في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما . أي إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بين الزوجين . وقيل : المراد الزوجان ، أي إن يرد الزوجان إصلاحا وصدقا فيما أخبرا به الحكمين ( يوفق الله بينهما ) . وقيل : الخطاب للأولياء . يقول : ( إن خفتم ) أي علمتم خلافا بين الزوجين ( فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ) والحكمان لا يكونان إلا من أهل الرجل والمرأة ، إذ هما أقعد بأحوال الزوجين ، ويكونان من أهل العدالة وحسن النظر والبصر بالفقه ( 3 ) . فإن لم يوجد من أهلهما من يصلح لذلك فيرسل ( 4 ) من غيرهما عدلين عالمين ، وذلك إذا أشكل أمرهما ولم يدر ممن الإساءة منهما . فأما إن عرف الظالم فإنه يؤخذ له الحق من صاحبه ويجبر على إزالة الضرر . ويقال : أن الحكم من أهل الزوج يخلو به ويقول له : أخبرني بما في نفسك أتهواها أم لا حتى أعلم مرادك ؟ فإن قال : لا حاجة لي فيها خذ لي منها ما استطعت وفرق بيني وبينها ، فيعرف أن من قبله النشوز . وإن قال : إني أهواها فأرضها من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها ، فيعلم أنه ليس بناشز . ويخلو [ الحكم من جهتها ( 5 ) ] بالمرأة ويقول لها : أتهوى زوجك أم لا ، فإن قالت : فرق بيني وبينه وأعطه من مالي ما أراد ، فيعلم أن النشوز من قبلها . إن قالت :
--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 301 ( 2 ) في ص 11 من هذا الجزء . ( 3 ) في ط : والفقه . ( 4 ) كذا في الأصول فالضمير للحاكم ، أو الولي . ( 5 ) زيادة من البحر لازمة .