القرطبي
163
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
النهار ) . فمعنى قوله : ( لا حسد ) أي لا غبطة أعظم وأفضل من الغبطة في هذين الامرين . وقد نبه البخاري على هذا المعنى حيث بوب على هذا الحديث ( باب الاغتباط في العلم والحكمة ) قال المهلب : بين الله تعالى في هذه الآية ما لا يجوز تمنيه ، وذلك ما كان من عرض الدنيا وأشباهها . قال ابن عطية : وأما التمني في الأعمال الصالحة فذلك هو الحسن ، وأما إذا تمنى المرء على الله من غير أن يقرن أمنيته بشئ مما قدمنا ذكره فذلك جائز ، وذلك موجود في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( وددت أن أحيا ثم أقتل ) . قلت : هذا الحديث هو الذي صدر به البخاري كتاب التمني في صحيحه ، وهو يدل على تمني الخير وأفعال البر والرغبة فيها ، وفيه فضل الشهادة على سائر أعمال البر ، لأنه عليه السلام تمناها دون غيرها ، وذلك لرفيع منزلتها وكرامة أهلها ، فرزقه الله إياها ، لقوله : ( ما زالت أكلة خيبر تعادني الآن أو ان قطعت أبهري ( 1 ) ) . وفي الصحيح : ( إن الشهيد يقال له تمن فيقول أتمنى أن أرجع إلى الدنيا حتى أقتل في سبيلك مرة أخرى ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنى إيمان أبي طالب و [ إيمان ( 2 ) ] أبي لهب وصناديد قريش مع علمه بأنه لا يكون ، وكان يقول : ( وا شوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ) . وهذا كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية إلى الحسد والتباغض ، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل ، فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر ، وسواء تمنيت مع ذلك أن يعود إليك أولا . وهذا هو الحسد بعينه ، وهو الذي ذمه الله تعالى بقوله : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ( 3 ) ) ويدخل فيه أيضا خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه ، لأنه داعية الحسد والمقت . وقد كره بعض العلماء الغبطة وأنها داخلة في النهي ، والصحيح جوازها على ما بينا ، وبالله توفيقنا . وقال الضحاك : لا يحل لاحد أن يتمنى مال أحد ، ألم تسمع الذين قالوا : ( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون ( 4 ) ) إلى أن
--> ( 1 ) الأكلة ( بالضم ) : اللقمة . وتعادني : تراجعني ويعاودني ألم سمها في أوقات معلومة . والأبهر : عرق مستبطن في الصلب والقلب متصل به ، فإذا نقطع لم تكن معه حياة . وحديث الشاة المسمومة وأكله صلى الله عليه وسلم منها مذكور في غزوة خيبر ، فليراجع . ( 2 ) من ج . ( 3 ) راجع ص 250 من هذا الجزء . ( 4 ) راجع ج 13 ص 316