القرطبي

161

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بالعقاب وشدده ، أو عظم ضرره في الوجود كما ذكرنا فهو كبيرة وما عداه صغيرة . فهذا يربط لك هذا الباب ويضبطه ، والله أعلم . الثانية - قوله تعالى : ( ويدخلكم مدخلا كريما ) قرأ أبو عمرو وأكثر الكوفيين ( مدخلا ) بضم الميم ، فيحتمل أن يكون مصدرا ، أي إدخالا ، والمفعول محذوف أي وندخلكم الجنة إدخالا . ويحتمل أن يكون بمعنى المكان فيكون مفعولا . وقرأ أهل المدينة بفتح الميم ، فيجوز أن يكون مصدر دخل وهو منصوب بإضمار فعل ، التقدير وندخلكم فتدخلون مدخلا ، ودل الكلام عليه . ويجوز أن يكون اسم مكان فينتصب على أنه مفعول [ به ( 1 ) ] ، أي وندخلكم مكانا كريما وهو الجنة . وقال أبو سعيد بن الأعرابي : سمعت أبا داود السجستاني يقول : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول : المسلمون كلهم في الجنة ، فقلت له : وكيف ؟ قال : يقول الله عز وجل : ( إن تجتبوا كبائر ما تنهون ، عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ) يعني الجنة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) . فإذا كان الله عز وجل يغفر ما دون الكبائر والنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر فأي ذنب يبقى على المسلمين . وقال علماؤنا : الكبائر عند أهل السنة تغفر لمن أقلع عنها قبل الموت حسب ما تقدم . وقد يغفر لمن مات عليها من المسلمين كما قال تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) والمراد بذلك من مات على الذنوب ، فلو كان المراد من تاب قبل الموت لم يكن للتفرقة بين الاشراك وغيره معنى ، إذ التائب من الشرك أيضا مغفور له . وروي عن ابن مسعود أنه قال : خمس آيات من سورة النساء هي أحب إلي من الدنيا جميعا ، قوله تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه ) وقوله ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ( 2 ) ) الآية ، وقوله تعالى : ( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ) الآية ، وقوله تعالى : ( وإن تك حسنة يضاعفها ) ، وقوله تعالى : ( والذين آمنوا بالله ورسله ( 3 ) ) وقال ابن عباس : ثمان آيات في سورة النساء ، هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت : ( يريد الله ليبين لكم ) ، ( والله يريد أن يتوب عليكم ) ، ( يريد الله أن يخفف عنكم ) ، ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم

--> ( 1 ) من ب وج‍ وط ود . ( 2 ) راجع ص 245 من هذا الجزء وص 379 و 195 ( 3 ) راجع ج 6 ص 6