القرطبي

143

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

( ولا متخذات أخدان ) أصدقاء على الفاحشة ، واحدهم خدن وخدين ، وهو الذي يخادنك ، ورجل خدنة ، إذا اتخذ أخذ انا أي أصحابا ، عن أبي زيد . وقيل : المسافحة المجاهرة بالزنى ، أي التي تكري نفسها لذلك . وذات الخدن هي التي تزني سرا . وقيل : المسافحة المبذولة ، وذات الخدن التي تزني بواحد . وكانت العرب تعيب الاعلان بالزنى ، ولا تعيب اتخاذ الأخدان ، ثم رفع الاسلام جميع ذلك ، وفي ذلك نزل قوله تعالى : ( ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( 1 ) ) ، عن ابن عباس وغيره . الرابعة عشرة - قوله تعالى : ( فإذا أحصن ) قراءة عاصم وحمزة والكسائي بفتح الهمزة . الباقون بضمها . فبالفتح معناه أسلمن ، وبالضم زوجن . فإذا زنت الأمة المسلمة جلدت نصف جلد الحرة ، وإسلامها هو إحصانها في قول الجمهور : ابن مسعود والشعبي والزهري وغيرهم . وعليه فلا تحد كافرة إذا زنت ، وهو قول الشافعي فيما ذكر ابن المنذر . وقال آخرون : إحصانها التزوج بحر . فإذا زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها ، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة ، وروي عن ابن عباس وأبي الدرداء ، وبه قال أبو عبيد . قال : وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن حد الأمة فقال : إن الأمة ألقت فروة رأسها من وراء الدار . قال الأصمعي : الفروة جلدة الرأس . قال أبو عبيد : وهو لم يرد الفروة بعينها ، وكيف تلقى جلدة رأسها من وراء الدار ، ولكن هذا مثل ! إنما أراد بالفروة القناع ، يقول ليس عليها قناع ولا حجاب ، وأنها تخرج إلى كل موضع يرسلها أهلها إليه ، لا تقدر على الامتناع من ذلك ، فتصير حيث لا تقدر على الامتناع من الفجور ، مثل رعاية الغنم وأداء الضريبة ونحو ذلك ، فكأنه رأى أن لا حد عليها إذا فجرت ، لهذا المعنى . وقالت فرقة : إحصانها التزوج ، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة غير المتزوجة بالسنة ، كما في صحيح البخاري ومسلم أنه قيل : يا رسول الله ، الأمة إذا زنت ولم تحصن ؟ فأوجب عليها الحد . قال الزهري : فالمتزوجة محدودة بالقرآن ، والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث . قال القاضي إسماعيل في قول من قال ( إذا أحصن ) أسلمن : بعد ، لان ذكر

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 133 وص 200