القرطبي

126

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يتزوج رجل أم رجل ويتزوج الآخر أم الآخر ، فيولد لكل واحد منهما ابنة فابنة كل واحد منهما عمة الأخرى ، فهذا ما حرم الله على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم مما ليس في القرآن . الخامسة - وإذا تقرر هذا فقد عقد العلماء فيمن يحرم الجمع بينهن عقدا حسنا ، فروى معتمر بن سليمان عن فضيل بن ميسرة عن أبي جرير عن الشعبي قال : كل امرأتين إذا جعلت موضع إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى فالجمع بينهما باطل . فقلت له : عمن هذا ؟ قال : عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال سفيان الثوري : تفسيره عندنا أن يكون من النسب ، ولا يكون بمنزلة امرأة وابنة زوجها يجمع بينهما إن شاء . قال أبو عمر : وهذا على مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة والأوزاعي وسائر فقهاء الأمصار من أهل الحديث وغيرهم فيما علمت لا يختلفون في هذا الأصل . وقد كره قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته من أجل أن أحدهما لو كان ذكرا لم يحل له نكاح الأخرى . والذي عليه العلماء أنه لا بأس بذلك ، وأن المراعى النسب دون غيره من المصاهرة ، ثم ورد في بعض الأخبار التنبيه على العلة في منع الجمع بين من ذكر ، وذلك ما يفضي إليه الجمع من قطع الأرحام القريبة مما يقع بين الضرائر من الشنآن والشرور بسبب الغيرة ، فروى ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج الرجل المرأة على العمة أو على الخالة ، وقال : ( إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ) ذكره أبو محمد الأصيلي في فوائده وابن عبد البر وغيرهما . ومن مراسيل أبي داود عن حسين بن طلحة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على أخواتها مخافة القطيعة ، وقد طرد بعض السلف هذه العلة فمنع الجمع بين المرأة وقريبتها ، وسواء كانت بنت عم أو بنت عمة أو بنت خال أو بنت خالة ، روي ذلك عن إسحاق بن طلحة وعكرمة وقتادة وعطاء في رواية ابن أبي نجيح ، وروى عنه ابن جريج أنه لا بأس بذلك وهو الصحيح . وقد نكح حسن بن حسين بن علي في ليلة واحدة ابنة محمد بن علي وابنة عمر بن علي فجمع بين ابنتي عم ، ذكره عبد الرزاق . زاد ابن عيينة : فأصبح نساؤهم لا يدرين إلى أيتهما يذهبن ، وقد كره مالك هذا ، وليس بحرام عنده ( 1 ) .

--> ( 1 ) في ط : عندهم .