القرطبي
119
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهية لهذا النكاح ، إذ هو عقد في موضع لا يجوز فيه الوطئ . وفي هذا ما يدل على أن ملك اليمين لا يمنع النكاح ، كما تقدم عن الشافعي . وفي الباب بعينه قول آخر : أن النكاح لا ينعقد ، وهو معنى قول الأوزاعي . وقال أشهب في كتاب الاستبراء : عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة . الموفية عشرين - وأجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقا يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها أو أربعا سواها حتى تنقضي عدة المطلقة . واختلفوا إذا طلقها طلاقا لا يملك رجعتها ، فقالت طائفة : ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلق ، وروي عن علي وزيد بن ثابت ، وهو مذهب مجاهد وعطاء بن أبي رباح والنخعي ، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي . وقالت طائفة : له أن ينكح أختها وأربعا ( 1 ) سواها ، وروي عن عطاء ، وهي أثبت الروايتين عنه ، وروي عن زيد بن ثابت أيضا ، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وأبو عبيد . قال ابن المنذر : ولا أحسبه إلا قول مالك وبه نقول . الحادية وعشرون - قوله تعالى : ( إلا ما قد سلف ) يحتمل أن يكون معناه معنى قوله : ( إلا ما قد سلف ) في قوله : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) . ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف ، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا ، وإذا جرى في الاسلام خير بين الأختين ، على ما قاله مالك والشافعي ، من غير إجراء عقود الكفار على موجب الاسلام ومقتضى الشرع ، وسواء عقد عليهما عقدا واحدا جمع به بينهما أو جمع بينهما في عقدين . وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد . وروى هشام بن عبد الله عن محمد بن الحسن أنه قال : كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية إلا اثنتين ، إحداهما نكاح امرأة الأب ، والثانية ، الجمع بين الأختين ، ألا ترى أنه قال : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ) . ( وان تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) ولم يذكر في سائر المحرمات ( إلا ما قد سلف ) . والله أعلم .
--> ( 1 ) كذا في الأصول ، والواو بمعنى أو كما تقدم .