القرطبي
110
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
من بين العلماء إلى أن رضاع الكبير يوجب التحريم ، وهو قول عائشة رضي الله عنها ، وروي عن أبي موسى الأشعري ، وروي عنه ما يدل على رجوعه عن ذلك ، وهو ما رواه أبو حصين عن أبي عطية قال : قدم رجل بامرأته من المدينة فوضعت وتورم ثديها ، فجعل يمصه ويمجه فدخل في بطنه جرعة منه ، فسأل أبا موسى فقال : بانت منك ، وأت ابن مسعود فأخبره ، ففعل ، فأقبل بالأعرابي إلى أبي موسى الأشعري وقال : أرضيعا ترى هذا الأشمط ( 1 ) ! إنما يحرم من الرضاع ما ينبت اللحم والعظم . فقال الأشعري : لا تسألوني عن شئ وهذا الحبر بين أظهركم . فقوله : ( لا تسألوني ) يدل على أنه رجع عن ذلك . واحتجت عائشة بقصة سالم مولى أبي حذيفة وأنه كان رجلا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لسهلة بنت سهيل : ( أرضعيه ) خرجه الموطأ وغيره . وشذت طائفة فاعتبرت عشر رضعات ، تمسكا بأنه كان فيما أنزل : عشر رضعات . وكأنهم لم يبلغهم الناسخ . وقال داود : لا يحرم إلا بثلاث رضعات ، واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تحرم الإملاجة والإملاجتان ( 2 ) ) . خرجه مسلم . وهو مروى عن عائشة وابن الزبير ، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، وهو تمسك بدليل الخطاب ، وهو مختلف فيه . وذهب من عدا هؤلاء من أئمة الفتوى إلى أن الرضعة الواحدة تحرم إذا تحققت كما ذكرنا ، متمسكين بأقل ما ينطلق عليه اسم الرضاع وعضد هذا بما وجد من العمل عليه بالمدينة وبالقياس على الصهر ، بعلة أنه معنى طارئ يقتضي تأبيد التحريم فلا يشترط فيه العدد كالصهر . وقال الليث بن سعد : وأجمع المسلمون على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر الصائم . قال أبو عمر . لم يقف الليث على الخلاف في ذلك . قلت : وأنص ما في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحرم المصة ولا المصتان ) أخرجه مسلم في صحيحه . وهو يفسر معنى قوله تعالى : ( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) أي أرضعنكم ثلاث رضعات فأكثر ، غير أنه يمكن أن يحمل على ما إذا لم يتحقق وصوله إلى جوف الرضيع ، لقوله : ( عشر رضعات معلومات . وخمس رضعات معلومات ) . فوصفها
--> ( 1 ) الشمط : بياض شعر الرأس يخالط سواده . وقيل : اللحية . ( 2 ) الإملاجة : المرة من الارضاع . يعنى أن المصة والمصتان لا يحرمان ما يحرمه الرضاع الكامل .