القرطبي

98

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فأخرج عيسى ثوبا أحمر وأصفر وأخضر إلى غير ذلك مما كان على كل ثوب مكتوب عليه صبغة ، فعجب الحواري ، وعلم أن ذلك من الله ودعا الناس إليه فآمنوا به ، فهم الحواريون . قتادة والضحاك : سموا بذلك لأنهم كانوا خاصة الأنبياء . يريدان لنقاء ( 1 ) قلوبهم . وقيل . كانوا ملوكا ، وذلك أن الملك صنع طعاما فدعا الناس إليه فكان عيسى على قصعة فكانت لا تنقص ، فقال الملك له : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم . قال : إني أترك ملكي هذا واتبعك . فانطلق بمن اتبعه معه ، فهم الحواريون ، قاله ابن عون . وأصل الحور في اللغة البياض ، وحورت الثياب بيضتها ، والحواري من الطعام ما حور ، أي بيض ، وأحور ابيض والجفنة المحورة : المبيضة بالسنام ، والحواري أيضا الناصر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكل نبي حواري وحواريي الزبير ) . والحواريات : النساء لبياضهن ، وقال : فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح قوله تعالى : ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ( 53 ) . قوله تعالى : ( ربنا آمنا بما أنزلت ) أي يقولون ربنا آمنا . ( بما أنزلت ) يعني في كتابك وما أظهرته من حكمك . ( واتبعنا الرسول ) يعني عيسى . ( فاكتبنا مع الشاهدين ) يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، عن ابن عباس . والمعنى أثبت أسماءنا مع أسمائهم واجعلنا من جملتهم . وقيل : المعنى فاكتبنا مع الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق . قوله تعالى : ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ( 54 ) . قوله تعالى : ( ومكروا ) يعني كفار بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر ، أي قتله ( 2 ) . وذلك أن عيسى عليه السلام لما أخرجه قومه وأمه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به ، فذلك مكرهم . ومكر الله : استدراجه لعباده من حيث لا يعلمون ، عن الفراء وغيره . قال ابن عباس : كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة . وقال الزجاج : مكر الله مجازاتهم على مكرهم ، فسمي الجزاء باسم الابتداء ، كقوله :

--> ( 1 ) في ز : لصفاء . ( 2 ) في ز : بقتله .