القرطبي

96

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولا حل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون ( 50 ) إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط مستقيم ( 51 ) . ( ومصدقا ) عطف على قوله : " ورسولا " . وقيل : المعنى وجئتكم مصدقا . ( لما بين يدي ) لما قبلي . ( ولا حل لكم ) فيه حذف ، أي ولأحل لكم جئتكم . ( بعض الذي حرم عليكم ) يعني من الأطعمة . قيل : إنما أحل لهم عيسى عليه السلام ما حرم عليهم بذنوبهم ولم يكن في التوراة ، نحو أكل الشحوم وكل ذي ظفر . وقيل : إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم الأحبار ولم تكن في التوراة محرمة عليهم . قال أبو عبيدة : يجوز أن يكون " بعض " بمعنى كل ، وأنشد لبيد : تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة ، لان البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل في هذا الموضع ، لان عيسى صلى الله عليه وسلم إنما أحل لهم أشياء مما حرمها عليهم موسى من أكل الشحوم وغيرها ولم يحل لهم القتل ولا السرقة ولا فاحشة . والدليل على هذا أنه ( 1 ) روي عن قتادة أنه قال : جاءهم عيسى بألين مما جاء به موسى صلى الله عليهما وعلى نبينا ، لان موسى جاءهم بتحريم الإبل وأشياء من الشحوم فجاءهم عيسى بتحليل بعضها . وقرأ النخعي " بعض الذي حرم عليكم " مثل كرم ، أي صار حراما . وقد يوضع البعض بمعنى الكل إذا انضمت إليه قرينة تدل عليه ، كما قال الشاعر : ( 2 ) أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض يريد بعض الشر أهون من كله . ( وجئتكم بآية من ربكم ) إنما وحد وهي آيات لأنها جنس واحد في الدلالة على رسالته .

--> ( 1 ) في د : ما روى . ( 2 ) هو طرفة بن العبد ، خاطب به عمرو بن هند الملك ، وكنيته أبو منذر حين أمر بقتله . ( 3 ) في د : آياته .