القرطبي

90

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

صلى الله عليه وسلم ( وأنه سيظهر على الأرض كلها إلا الحرم وبيت المقدس وأنه يحصر المؤمنين في بيت المقدس ) . وذكر الحديث . وفي صحيح مسلم : ( فبينا هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن ، مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين ( 1 ) واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمان ( 2 ) كاللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات ، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ) ( 3 ) الحديث ( 4 ) بطوله . وقد قيل : إن المسيح اسم لعيسى غير مشتق سماه الله به . فعلى هذا يكون عيسى بدلا من المسيح من البدل الذي هو هو . وعيسى اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف وإن جعلته عربيا لم ينصرف في معرفة ولا نكرة ، لان فيه ألف . تأنيث . ويكون مشتقا من عاسه يعوسه إذا ساسه وقام عليه . ( وجيها ) أي شريفا ذا جاه وقدر ، وانتصب على الحال ، قاله الأخفش . ( ومن المقربين ) عند الله تعالى وهو معطوف على " وجيها " أي ومقربا ، قاله الأخفش . وجمع وجيه وجهاء ووجهاء . ( ويكلم الناس ) عطف على " وجيها " قاله الأخفش أيضا . و ( المهد ) مضجع الصبي في رضاعه . ومهدت الامر هيأته ووطأته . وفي التنزيل " فلأنفسهم يمهدون " [ الروم : 44 ] ( 5 ) . وامتهد الشئ ارتفع كما يمتهد سنام البعير . ( وكهلا ) الكهل بين حال الغلومة وحال الشيخوخة . وامرأة كهلة . واكتهلت الروضة إذا عمها النور . يقول : يكلم الناس في المهد آية ، ويكلمهم كهلا بالوحي والرسالة . وقال أبو العباس : كلمهم في المهد حين برأ أمه فقال : " إني عبد الله " [ مريم : 30 ] ( 6 ) الآية . وأما كلامه وهو كهل فإذا أنزل الله تعالى [ من السماء ] ( 7 ) أنزله على صورة ابن ثلاث وثلاثين سنة وهو الكهل فيقول لهم : " إني عبد الله " كما قال في المهد . فهاتان آيتان وحجتان . قال المهدوي : وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى عليه السلام يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلا ، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش .

--> ( 1 ) قوله : مهرودتين ، أي في شقتين أو حلتين . وقيل : الثوب المهرود الذي يصبغ بالورس ثم بالزعفران . ( 2 ) الجمان ( بضم الجيم وتخفيف الميم ) : حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار . ( 3 ) لد ( بضم اللام وتشديد الدال ) : قرية في فلسطين قريبة من بيت المقدس . ( 4 ) راجع صحيح مسلم ج 2 ص 376 طبع بولاق . ( 5 ) راجع القرطبي ج 14 ص 44 . ( 6 ) راجع ج 11 ص 102 . ( 7 ) الزيادة عن البحر لأبي حيان .