القرطبي
84
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ربها ولم تسأل آية عندما بشرت كما سأل زكريا صلى الله عليه وسلم من الآية ، ولذلك سماها الله في تنزيله صديقة فقال : " وأمه صديقة " [ المائدة : 75 ] ( 1 ) . وقال : " وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين " [ التحريم : 12 ] ( 2 ) فشهد لها بالصديقية وشهد لها بالتصديق لكلمات البشرى وشهد لها بالقنوت . وإنما بشر زكريا بغلام فلحظ إلى كبر سنه وعقامة رحم امرأته فقال : أنى يكون لي غلام وامرأتي عاقر ، فسأل آية ، وبشرت مريم بالغلام فلحظت أنها بكر ولم يمسسها بشر فقيل لها : " كذلك قال ربك " [ مريم : 21 ] ( 3 ) فاقتصرت على ذلك ، وصدقت بكلمات ربها ولم تسأل آية ممن يعلم كنه هذا الامر ، ومن لامرأة في جميع نساء العالمين من بنات آدم ما لها من هذه المناقب ! . ولذلك روي أنها سبقت السابقين مع الرسل إلى الجنة ، جاء في الخبر عنه صلى الله عليه وسلم : ( لو أقسمت لبررت لا يدخل الجنة قبل سابقي أمتي إلا بضعة عشر رجلا منهم إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى ومريم ابنة عمران ) . وقد كان يحق على من انتحل علم الظاهر واستدل بالأشياء الظاهرة على الأشياء الباطنة أن يعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر ) وقوله حيث يقول : ( لواء الحمد يوم القيامة بيدي ومفاتيح الكرم بيدي وأنا أول خطيب وأول شفيع وأول مبشر وأول وأول ) . فلم ينل هذا السؤدد في الدنيا على الرسل إلا لأمر عظيم في الباطن . وكذلك شأن مريم لم تنل شهادة الله في التنزيل بالصديقية والتصديق بالكلمات إلا لمرتبة قريبة دانية . ومن قال لم تكن نبية قال : إن رؤيتها للملك كما رؤي جبريل عليه السلام في صفة دحية الكلبي حين سؤاله عن الاسلام والايمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء والأول أظهر وعليه الأكثر . والله أعلم . قوله تعالى : يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين أي أطيلي القيام في الصلاة ، عن مجاهد . قتادة : أديمي الطاعة . وقد تقدم القول في القنوت ( 4 ) . قال الأوزاعي : لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 250 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 203 . ( 3 ) راجع ج 11 ص 91 . ( 4 ) راجع ج 2 ص 86 وج 2 ص 213 .