القرطبي

82

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

العلماء على أنه ليس بمنسوخ ، وأن زكريا إنما منع الكلام بآفة ( 1 ) دخلت عليه منعته إياه ، وتلك الآفة ( 1 ) عدم القدرة على الكلام مع الصحة ، كذلك قال المفسرون . وذهب كثير من العلماء إلى أنه ( لا صمت يوما إلى الليل ) إنما معناه عن ذكر الله ، وأما عن الهذر وما لا فائدة فيه ، فالصمت عن ذلك حسن . قوله تعالى : ( واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار ) أمره بألا يترك الذكر في نفسه مع اعتقال لسانه ، على القول الأول . وقد مضى في البقرة ( 2 ) معنى الذكر . وقال محمد ابن كعب القرظي : لو رخص لاحد في ترك الذكر لرخص لزكريا بقول الله عز وجل " ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا " ولرخص للرجل يكون في الحرب بقول الله عز وجل : " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا " [ الأنفال : 45 ] ( 3 ) . وذكره الطبري . " وسبح " أي صل ، سميت الصلاة سبحة لما فيها من تنزيه الله تعالى عن السوء . و " العشي " جمع عشية . وقيل : هو واحد . وذلك من حين تزول الشمس إلى أن تغيب ، عن مجاهد . وفي الموطأ عن القاسم بن محمد قال : ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي . " والابكار " من طلوع الفجر إلى وقت الضحى . قوله تعالى : وإذ قالت الملائكة ؟ يا مريم إن الله اصطفاك ؟ وطهرك واصطفاك على نساء العلمين ( 42 ) قوله تعالى : ( إن الله اصطفاك ) أي اختارك ، وقد تقدم ( 4 ) . ( وطهرك ) أي من الكفر ، عن مجاهد والحسن . الزجاج : من سائر الأدناس من الحيض والنفاس وغيرهما ، واصطفاك لولادة عيسى ( على نساء العالمين ) يعني عالمي زمانها ، عن الحسن وابن جريج وغيرهما . وقيل : " على نساء العالمين " أجمع إلى يوم الصور ، وهو الصحيح على ما نبينه ، وهو قول الزجاج وغيره . وكرر الاصطفاء لان معنى الأول الاصطفاء لعبادته ، ومعنى الثاني لولادة عيسى . وروى مسلم عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كمل

--> ( 1 ) في د : بآية ، وتلك الآية . ( 2 ) راجع ج 1 ص 331 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 32 . ( 4 ) راجع ج 2 ص 133 .