القرطبي
7
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ( 5 ) هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل ، ومثله في القرآن كثير . فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون ، فكيف يكون عيسى إلها أو ابن إله وهو تخفى عليه الأشياء ! . قوله تعالى : هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ( 6 ) فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : ( هو الذي يصوركم ) أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات وأصل الرحم من الرحمة ، لأنها مما يتراحم به . واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله ، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة . وهذه الآية تعظيم لله تعالى ، وفى ضمنها الرد على نصارى نجران ، وأن عيسى من المصورين ، وذلك مما لا ينكره عاقل . وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة " الحج " ( 1 ) و " المؤمنون " . وكذلك شرحه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود ، على ما يأتي هناك [ بيانه ] ( 2 ) إن شاء الله تعالى . وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ يجعلونها فاعلة مستبدة . وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد ( 3 ) وفى مسند ابن سنجر - واسمه محمد بن سنجر - حديث " إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه ( 4 ) من منى الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة " . وفى هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة ، وهو صريح [ في ] ( 5 ) قول تعالى : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى " ( 6 ) . وفى صحيح مسلم من حديث ثوبان وفيه : أن اليهودي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : وجئت أسألك عن شئ لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان . قال : " ينفعك إن حدثتك " ؟ .
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 6 فما بعد وص 109 فما بعد . ( 2 ) الزيادة من نسخة : ب . ( 3 ) راجع ج 2 ص 201 . ( 4 ) الغضاريف : جمع غضروف ( بضم الغين ) وهو كل عظم وخص يؤكل ، وهو مارن الانف ، ونغض الكتف ؟ ( العظم الرقيق على طرفها ) ، ورؤوس الأضلاع ، ورهابة الصدر ( عظيم في الصدر مشرف على البطن ) ، وداخل قوف الاذن . ( 5 ) الزيادة في : ج . ( 6 ) راجع ج 16 ص 340 .