القرطبي
68
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
السابعة - قوله تعالى : ( وليس الذكر كالأنثى ) استدل به بعض الشافعية على أن المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطئ لا تساويه في وجوب الكفارة عليها ، ابن العربي ، وهذه منه غفلة ، فإن هذا خبر عن شرع من قبلنا وهم لا يقولون به ، وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له به بينة حالها ومقطع كلامها ، فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها ، فلما رأته أنثى لا تصلح وأنها عورة اعتذرت إلى ربها من وجودها لها ( 1 ) على خلاف ما قصدته فيها . ولم ينصرف " مريم " لأنه مؤنث معرفة ، وهو أيضا أعجمي ، قال النحاس . والله تعالى أعلم . الثامنة - قوله تعالى : ( وإني سميتها مريم ) يعنى خادم الرب في لغتهم . ( وإني أعيذها بك ) يعني مريم . ( وذريتها ) يعني عيسى . وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصة . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة [ الشيطان ] ( 2 ) إلا ابن مريم وأمه ) ثم قال أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : " وإني أعيدها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " . قال علماؤنا : فأفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم ، فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء إلا مريم وابنها . قال قتادة : كل مولود يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى وأمه جعل بينهما حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ لها منه شئ ، قال علماؤنا : وإن لم يكن كذلك بطلت الخصوصية بهما ، ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه فإن ذلك ظن فاسد ، فكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الافساد والاغواء ومع ذلك فعصمهم ( 3 ) الله مما يرومه الشيطان ، كما قال تعالى : " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان " [ الحجر : 42 ] ( 4 ) . هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وكل به قرينه من الشياطين ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمريم وابنها وإن عصبما من نخسه فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته . والله أعلم .
--> ( 1 ) في ب : له ، وفى ز : من وجود مالها . ( 2 ) زيادة من صحيح مسلم . ( 3 ) كذا في ب ود بالفاء . ( 4 ) راجع ج 10 ص 28 .