القرطبي
49
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخامسة - روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان ) . قال العلماء : الامر بالمعروف باليد على الامراء ، وباللسان على العلماء ، وبالقلب على الضعفاء ، يعني عوام الناس . فالمنكر إذا أمكنت إزالته باللسان للناهي فليفعله ، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة أو بالقتل فليفعل ، فإن زال بدون القتل لم يجز القتل ، وهذا تلقي من قول الله تعالى : " فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله " ( 1 ) . وعليه بنى العلماء أنه إذا دفع الصائل ( 2 ) على النفس أو على المال عن نفسه أو عن ماله أو نفس غيره فله ذلك ولا شئ عليه . ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر فيجب عليه أن يدفعه عنه إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به ، حتى لقد قال العلماء : لو فرضنا ( 3 ) [ قودا ] . وقيل : كل بلدة يكون فيها أربعة فأهلها معصومون من البلاء : إمام عادل لا يظلم ، وعالم على سبيل الهدى ، ومشايخ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحرضون على طلب العلم والقرآن ، ونساؤهم مستورات لا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى . السادسة - روى أنس بن مالك قال : قيل يا رسول الله ، متى نترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قال : ( إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم ) . قلنا : يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال : ( الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالتكم ) . قال زيد : تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( والعلم في رذالتكم ) إذا كان العلم في الفساق . خرجه ابن ماجة . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في " المائدة " ( 4 ) وغيرها إن شاء الله تعالى . وتقدم معنى " فبشرهم " " وحبطت " في البقرة ( 5 ) فلا معنى للإعادة . قوله تعالى : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يدعون إلى كتب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون ( 23 )
--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 319 . ( 2 ) في ذ : القاتل . ( 3 ) بياض في أكثر الأصول . الزيادة من دوب : يعنى : لو فرضنا أن دفع الجاني أدى موته فأخذ فيه بالقود فلا عليه لأنه ناج عند الله . والله أعلم . ( 4 ) راجع ج 6 ص 253 . ( 5 ) راجع ج 1 ص 238 وج 3 ص 48 .