القرطبي

324

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : قوله " والرباط اللغوي هو الأول " ليس بمسلم ، فإن الخليل بن أحمد أحد أئمة اللغة وثقاتها قد قال : الرباط ملازمة الثغور ، ومواظبة الصلاة أيضا ، فقد حصل أن انتظار الصلاة رباط لغوي حقيقة ، كما قال صلى الله عليه وسلم . وأكثر من هذا ما قاله الشيباني أنه يقال : ماء مترابط أي دائم لا ينزح ( 1 ) ، حكاه ابن فارس ، وهو يقتضي تعدية الرباط لغة إلى غير ما ذكرناه . فإن المرابطة عند العرب : العقد على الشئ حتى لا ينحل ، فيعود إلى ما كان صبر عنه ، فيحبس القلب على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة . ومن أعظمها وأهمها ارتباط الخيل في سبيل الله كما نص عليه في التنزيل في قوله : " ومن رباط الخيل " [ الأنفال : 60 ] على ما يأتي . وارتباط النفس على الصلوات كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، رواه أبو هريرة وجابر وعلى ولا عطر بعد عروس . الرابعة والعشرون - المرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما ، قاله محمد بن المواز [ ورواه ] ( 2 ) . وأما سكان الثغور دائما بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك ، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين . قال ابن عطية . وقال ابن خويز منداد : وللرباط حالتان : حالة يكون الثغر مأمونا منيعا يجوز سكناه بالأهل والولد . وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال ، ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق . والله أعلم . الخامسة والعشرون - جاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة ، منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها ) . وفي صحيح مسلم عن سلمان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان ) ( 3 ) . وروى أبو داود في سننه عن فضالة

--> ( 1 ) في الأصول : لا يبرح . والتصويب من اللسان . ( 2 ) كذا في ز وب وج‍ ود وه‍ وى وط وابن عطية وفى ا وح‍ ود أود . ( 3 ) الفتان : الشيطان . ويروى بفتح الفاء وضمها . فمن رواه بالفتح فهو واحد ، لأنه يفتن الناس عن الدين . ومن رواه بالضم فهو جمع فاتن ، أي يعاون أحدهما الاخر على الذين يضلون الناس عن الحق ويفتنونهم .