القرطبي
320
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ونظير هذه الآية قوله تعالى : " فلا يغررك تقلبهم في البلاد " [ المؤمن : 4 ] . ( 1 ) والمتاع : ما يعجل الانتفاع به ، وسماه قليلا لأنه فان ، وكل فان وإن كان كثيرا فهو قليل . وفي صحيح الترمذي عن المستورد الفهري قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر بماذا يرجع ) . قيل : ( يرجع ) بالياء والتاء . ( وبئس المهاد ) أي بئس ما مهدوا لأنفسهم بكفرهم ، وما مهد الله لهم من النار . الثامنة عشرة - في هذه الآية وأمثالها كقوله : " أنما نملي لهم خير " [ آل عمران : 178 ] ( 2 ) الآية . " وأملي لهم إن كيدي متين " [ الأعراف : 183 ] ( 3 ) . " أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين " [ المؤمنون : 55 ] ( 4 ) . " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " [ الأعراف : 182 ] ( 3 ) دليل على أن الكفار غير . منعم عليهم في الدنيا ، لان حقيقة النعمة الخلوص من شوائب الضرر العاجلة والآجلة ، ونعم الكفار . مشوبة بالآلام والعقوبات ، فصار كمن قدم بين يدي غيره حلاوة من عسل فيها السم ، فهو وإن استلذ آكله لا يقال : أنعم عليه ، لان فيه هلاك روحه . ذهب إلى هذا جماعة من العلماء ، وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري . وذهب جماعة منهم سيف السنة ولسان الأمة القاضي أبو بكر : إلى أن الله أنعم عليهم في الدنيا . قالوا : وأصل النعمة من النعمة بفتح النون ، وهي لين العيش ، ومنه قوله تعالى : " ونعمة كانوا فيها فاكهين " [ الدخان : 27 ] ( 5 ) . يقال : دقيق ناعم ، إذا بولغ في طحنه وأجيد سحقه . وهذا هو الصحيح ، والدليل عليه أن الله تعالى أوجب على الكفار أن يشكروه وعلى جميع المكلفين فقال : " فاذكروا آلاء الله " [ الأعراف : 74 ] ( 3 ) . " واشكروا لله " [ البقرة : 172 ] ( 6 ) والشكر لا يكون إلا على نعمة . وقال : " وأحسن كما أحسن الله إليك " [ القصص : 77 ] ( 7 ) وهذا خطاب لقارون . وقال : " وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة " [ النحل : 112 ] ( 8 ) الآية . فنبه سبحانه أنه قد أنعم عليهم نعمة دنياوية فجحدوها . وقال : " يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها " [ النحل : 83 ] ( 8 ) وقال : " يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم " [ فاطر : 3 ] ( 9 ) . وهذا عام
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 286 . ( 2 ) راجع ص 286 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 7 ص 329 وص 237 . ( 4 ) راجع ج 12 ص 130 . ( 5 ) راجع ج 16 ص 138 . ( 6 ) راجع ج 2 ص 215 . ( 7 ) راجع ج 13 ص 314 . ( 8 ) راجع ج 10 ص 193 وص 166 . ( 9 ) راجع ج 14 ص 321 .