القرطبي

317

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الحادية عشرة - قوله تعالى : ( ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للايمان ) أي محمدا صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين . وقال قتادة ومحمد بن كعب القرظي : هو القرآن ، وليس كلهم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم . دليل هذا القول ما أخبر الله تعالى عن مؤمني الجن إذ قالوا : " إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد " [ الجن : 1 - 2 ] ( 1 ) . وأجاب الأولون فقالوا : من سمع القرآن فكأنما لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا صحيح معنى . وأن ( 2 ) من ( أن آمنوا ) في موضع نصب على حذف حرف الخفض ، أي بأن أمنوا . وفي الكلام تقديم وتأخير ، أي سمعنا مناديا للايمان ينادي ، عن أبي عبيدة . وقيل : اللام بمعنى إلى ، أي إلى الايمان ، كقوله : " ثم يعودون لما نهوا عنه " [ المجادلة : 8 ] ( 3 ) . وقوله : " بأن ربك أوحى لها " [ الزلزلة : 5 ] ( 4 ) وقوله : " الحمد لله الذي هدانا لهذا " [ الأعراف : 43 ] ( 5 ) أي إلى هذا ، ومثله كثير . وقيل : هي لام أجل ، أي لأجل الايمان . الثانية عشرة - قوله تعالى : ( ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا ) تأكيد ومبالغة في الدعاء . ومعنى اللفظين واحد ، فإن الغفر والكفر : الستر . ( وتوفنا مع الأبرار ) أي أبرارا مع الأنبياء ، أي في جملتهم . واحدهم وبر وبار وأصله من الاتساع ، فكأن البر متسع في طاعة الله ومتسعة له رحمة الله . الثالثة عشرة - قوله تعالى : ( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) أي على ألسنة رسلك ، مثل " وأسال القرية " ( 6 ) . وقرأ الأعمش والزهري " رسلك " بالتخفيف ، وهو ما ذكر من استغفار الأنبياء والملائكة للمؤمنين ، والملائكة يستغفرون لمن في الأرض . وما ذكر من دعاء نوح للمؤمنين ودعاء إبراهيم واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم لامته . ( ولا تحزنا ) أي لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ، ولا تهنا ولا تبعدنا ولا تمقتنا يوم القيامة ( إنك لا تخلف الميعاد ) . إن قيل : ما وجه قولهم " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " [ آل عمران : 194 ] وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد ، فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول - أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة ، فسألوا أن يكونوا ممن وعد بذلك دون الخزي : والعقاب .

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 6 . ( 2 ) من ه‍ وج‍ وط . ( 3 ) راجع ج 17 ص 290 . ( 4 ) راجع ج 20 ص 140 . ( 5 ) راجع ج 7 ص 208 . ( 6 ) راجع ج 9 ص 245 .