القرطبي
298
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وإن أردت الثاني جاز الجر . والنصب والتنوين فيما هذا سبيله هو الأصل ، لأنه يجري مجرى الفعل المضارع فإن كان الفعل غير متعد ، لم يتعد نحو قاتم زيد . وإن كان متعديا عديته ونصبت به ، فتقول . زيد ضارب عمروا بمعنى يضرب عمروا . ويجوز حذف التنوين والإضافة تخفيفا ، كما قال المرار " : سل الهموم بكل معطي رأسه * ناج مخالط صهبة متعيس ( 1 ) مغتال أحبله مبين عنقه * في منكب زبن المطي عرندس ( 2 ) [ فحذف التنوين تخفيفا ، والأصل : معط رأسه بالتنوين والنصب ، ومثل هذا أيضا في التنزيل قوله تعالى : " هل هن كاشفات ضره " [ الزمر : 38 ] وما كان مثله ] ( 3 ) . الثالثة - ثم اعلم أن للموت أسبابا وأمارات ، فمن علامات موت المؤمن عرق الجبين . أخرجه النسائي من حديث بريدة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " المؤمن يموت بعرق الجبين " . وقد بيناه في " التذكرة " فإذا احتضر لقن الشهادة ، لقوله عليه السلام : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) لتكون آخر كلامه فيختم له بالشهادة ، ولا يعاد عليه منها لئلا يضجر . ويستحب قراءة " يس " ذلك الوقت ، لقوله عليه السلام : " اقرؤوا يس على موتاكم " أخرجه أبو داود . وذكر الآجري في كتاب النصيحة من حديث أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من ميت يقرأ عنده سورة يس إلا هون عليه الموت ) . فإذا قضي وتبع البصر الروح - كما أخبر صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم - وارتفعت العبادات وزال التكليف ، توجهت على الاحياء أحكام ، منها : تغميضه . وإعلام إخوانه الصلحاء بموته . وكرهه قوم وقالوا : هو من النعي . والأول أصح ، وقد بيناه في غير هذا الموضع . ومنها الاخذ في تجهيزه بالغسل والدفن لئلا يسرع إليه التغير ، قال صلى الله عليه وسلم لقوم أخروا دفن ميتهم : ( عجلوا بدفن جيفتكم ) وقال : ( أسرعوا بالجنازة ) الحديث ، وسيأتي .
--> ( 1 ) قوله معطى رأسه ، أي ذلول ، وناج : سريع . والصهبة : أن يضرب بياضه إلى الحمرة . والمتعيس والاعيس : الأبيض ، وهو أفضل ألوان الإبل . والمعنى : سل همومك اللازمة لفراق من تهوى ونأيه عنك بكل بعير ترتحله للسفر . ( 2 ) وصف بعيرا بعظم الجوف ، فإذا شد رحله عليه اغتال أحبله ( جمع حبل ) واستوفاها لعظم جوفه . والاغتيال : الذهاب بالشئ . والمبين : البين الطويل . وزبن : زاحم ودفع . والعرندس : الشديد . ويروى : متين عنقه . ( عن شرح الشواهد للشنتمري ) . ( 3 ) الزيادة من ج وط ود وه .