القرطبي

28

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى - قوله تعالى : ( زين للناس ) زين من التزيين . واختلف الناس من المزين ، فقالت فرقة : الله زين ذلك ، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ذكره البخاري . وفى التنزيل : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة ( 1 ) لها " ، ولما قال عمر : الان يا رب حين زينتها لنا ! نزلت : " قل أؤنبئكم بخير من ذلك " وقالت فرقة : المزين هو الشيطان ، وهو ظاهر قول الحسن ، فإنه قال : من زينها ؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها . فتزيين الله تعالى إنما هو بالايجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل إلى هذه الأشياء . وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها . والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس ، وفى ضمن ذلك توبيخ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم . وقرأ الجمهور " زين " على بناء الفعل للمفعول ، ورفع " حب " . وقرأ الضحاك ومجاهد " زين " على بناء الفعل للفاعل ، ونصب " حب " وحركت الهاء من " الشهوات " فرقا بين الاسم والنعت . والشهوات جمع شهوة وهي معروفة . ورجل شهوان ( 2 ) للشئ ، وشئ شهي أي مشتهى . واتباع الشهوات مرد وطاعتها مهلكة . وفي صحيح مسلم : ( حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها . وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها . وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " طريق الجنة حزن ( 3 ) بربوة وطريق النار سهل بسهوة " ، وهو معنى قوله " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " . أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي ، وطريق النار سهل لا غلظ فيه ولا وعورة ، وهو معنى قوله " سهل بسهوة " وهو بالسين المهملة .

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 353 . ( 2 ) هذه عبارة الصحاح الذي يعتمد عليه المؤلف كثيرا . وفى الأصول : " الشهوان للشئ " . ( 3 ) الحزن ( بفتح فسكون ) : المكان الغليظ الخشن . والربوة ( بالضم والفتح ) : ما ارتفع من الأرض والسهوة : الأرض اللينة التربة .