القرطبي
26
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
" ترونهم " بالتاء ، قال : ولو كان كذلك لكان مثليكم . قال النحاس " وذا لا يلزم ، ولكن يجوز أن يكون مثلي أصحابكم . قال مكي : " ترونهم " بالتاء جرى على الخطاب في " لكم " فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين ، والهاء والميم للمشركين . وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف ، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط ، ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة ، كقوله تعالى : " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " ( 1 ) ، وقوله تعالى : " وما آتيتم من زكاة " ( 2 ) فخاطب ثم قال : " فأولئك هم المضعفون " فرجع إلى الغيبة . فالهاء والميم في " مثليهم " يحتمل أن يكون للمشركين ، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد ، وهو بعيد في المعنى ، لان الله تعالى لم يكثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قللهم في أعين المؤمنين ، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم ويقع التجاسر ، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار ، وقلل المسلمين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم فينفذ حكم الله فيهم . ويحتمل أن يكون الضمير في " مثليهم " للمسلمين ، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد ، أي ترون أنفسكم مثلي عددكم ، فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين . والتأويل الأول أولى ، يدل عليه قوله تعالى : " إذ يريكهم الله في منامك قليلا " ( 3 ) وقوله : " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا " وروي عن ابن مسعود أنه قال : قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أظنهم مائة فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفا . وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا : بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفين . وضعف الطبري هذا القول . قال ابن عطية : وكذلك هو مردود من جهات . بل قلل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدم . وعلى هذا التأويل كان يكون " ترون " للكافرين ، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم ، ويحتمل مثليكم ، على ما تقدم . وزعم الفراء أن المعنى
--> ( 1 ) راجع ج 8 ص 324 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 35 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 22