القرطبي
267
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال يوم أحد لما رأى قريشا قد أرسلت الظهر ( 1 ) في زروع قناة ( 2 ) ، أترعى زروع بني قيلة ( 3 ) ولما نضارب ؟ والمعنى إن لم تقاتلوا في سبيل الله فقاتلوا دفعا عن أنفسكم وحريمكم . قوله تعالى : ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان ) أي بينوا حالهم ، وهتكوا أستارهم ، وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مسلمون ، فصاروا أقرب إلى الكفر في ظاهر الحال ، وإن كانوا كافرين على التحقيق . وقوله تعالى : ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) أي أظهروا الايمان ، وأضمروا الكفر . وذكر الأفواه تأكيد ، مثل قوله : " يطير بجناحيه " [ الانعام : 38 ] ( 4 ) . قوله تعالى : الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ( 168 ) قوله تعالى : ( الذين قالوا لإخوانهم ) معناه لأجل ( 5 ) إخوانهم ، وهم الشهداء المقتولون من الخزرج ، وهم إخوة نسب ومجاورة ، لا إخوة الدين . أي قالوا لهؤلاء الشهداء : لو قعدوا ، أي بالمدينة ما قتلوا . وقيل : قال عبد الله بن أبي وأصحابه لإخوانهم ، أي لاشكالهم من المنافقين : لو أطاعونا ، هؤلاء الذين قتلوا ، لما قتلوا . وقوله ( لو أطاعونا ) يريد في ألا يخرجوا إلى قريش . وقوله : ( وقعدوا ) أي قالوا هذا القول وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد ، فرد الله عليهم بقوله : ( قل فادرءوا ) أي قل لهم يا محمد : إن صدقتم فادفعوا الموت عن أنفسكم . والدرء الدفع . بين بهذا أن الحذر لا ينفع من القدر ، وأن المقتول يقتل بأجله ، وما علم الله وأخبر به كائن لا محالة . وقيل : مات يوم قيل هذا ، سبعون منافقا . وقال أبو الليث السمرقندي : سمعت بعض المفسرين بسمرقند يقول : لما نزلت الآية " قل فادرءوا عن أنفسكم الموت " مات يومئذ سبعون نفسا من المنافقين .
--> ( 1 ) الظهر : الركاب التي تحمل الأثقال في السفر ، لحملها إياها على ظهورها . ( 2 ) قناة : واد بالمدينة ، وهي أحد أوديتها الثلاثة ، عليه حرث ومال . قال المدائني : وقناة يأتي من الطائف ويصيب في الأرحضية وقرقرة الكدر ، ثم يأتي بئر معونة ، ثم يمر على طرف القدوم في أصل قبور الشهداء بأحد . ( عن معجم البلدان ) . ( 3 ) قيلة : أم الأوس والخزرج ، هي قيلة بنت كاهل بن عذرة ، قضاعية . ويقال : بنت جفنة ، غسانية . ( عن شرح القاموس ) . ( 4 ) راجع ج 6 ص 419 . ( 5 ) في ب : لأهل .