القرطبي

23

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

البتة دئب ، وإنما يقال : دأب يدأب دءوبا و [ دأبا ] ( 1 ) ، هكذا حكى النحويون ، منهم الفراء حكاه في كتاب المصادر ، كما قال امرؤ القيس : كدأبك من أم الحويرث قبلها * وجارتها أم الرباب بمأسل ( 2 ) فأما الدأب فإنه يجوز ، كما يقال : شعر وشعر ونهر ونهر ، لان فيه حرفا من " حروف الحلق " . واختلفوا في الكاف ، فقيل : هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون ، أي صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع موسى . وزعم الفراء أن المعنى : كفرت العرب ككفر آل فرعون . قال النحاس : لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا ، لان كفروا داخلة في الصلة . وقيل : هي متعلقة ب‍ " أخذهم الله " ، أي أخذهم أخذا كما أخذا آل فرعون . وقيل : هي متعلقة بقوله " لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم . . . " أي لم تغن عنهم كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون . وهذا جواب لمن تخلف عن الجهاد وقال : شغلتنا أموالنا وأهلونا . ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ الوقود ، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق . ويؤيد هذا المعنى " . وحاق بآل فرعون سوء العذاب . النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " ( 3 ) . والقول الأول أرجح ، واختاره غير واحد من العلماء . قال ابن عرفة : " كدأب آل فرعون " أي كعادة آل فرعون . يقول : اعتاد هؤلاء الكفرة الالحاد والاعنات للنبي صلى الله عليه وسلم كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء ، وقال معناه الأزهري . فأما قوله في سورة ( الأنفال ) " كدأب آل فرعون " ( 4 ) فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق والهلاك . قوله تعالى : ( بآياتنا ) يحتمل أن يريد الآيات المتلوة ، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية . ( فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب ) .

--> ( 1 ) زيادة عن إعراب القرآن للنحاس . ( 2 ) أم الحويرث : هي " هر " أم الحارث بن حصين ابن ضمضم الكلابي ، وكان امرؤ القيس يشبب بها في أشعاره . وأم الرباب من كلب أيضا . ومأسل : موضع . يقول : لقيت من وقوفك على هذه الديار وتذكرك أهلها كما لقيت من أم الحويرث وجارتها . ( عن شرح المعلقات ) . ( 3 ) راجع ج 15 ص 318 . ( 4 ) راجع ج 8 ص 29 .