القرطبي
222
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تلحقوا به ، فأنزل الله تعالى في ذلك ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) إلى قول : " فآتاهم الله ثواب الدنيا " [ آل عمران : 148 ] . وما نافية ، وما بعدها ابتداء وخبر ، وبطل عمل " ما " . وقرأ ابن عباس " قد خلت من قبله الرسل " بغير ألف ولام . فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا ، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل وإن فقد الرسول بموت أو قتل . وأكرم نبيه صلى الله عليه وسلم [ وصفيه ] ( 1 ) باسمين مشتقين من اسمه : محمد وأحمد ، وتقول العرب : رجل محمود ومحمد إذا كثرت خصاله المحمودة ، قال الشاعر : * إلى الماجد القرم الجواد المحمد ( 2 ) وقد مضى هذا في الفاتحة ( 3 ) . وقال عباس بن مرداس : يا خاتم النبآء إنك مرسل * بالخير كل هدى السبيل هداكا إن الاله بنى ( 4 ) عليك محبة * في خلقه ومحمدا سماكا فهذه الآية من تتمة العتاب مع المنهزمين ، أي لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد ، والنبوة لا تدرأ الموت ، والأديان لا تزول بموت الأنبياء . والله أعلم . الثانية - هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته ، فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم بيانه في " البقرة " ( 5 ) فظهرت عنده شجاعته وعلمه . قال الناس : لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منهم عمر ، وخرس عثمان ، واستخفى علي ، واضطرب الامر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح ( 6 ) ، الحديث ، كذا في البخاري . وفي سنن ابن ماجة عن عائشة قالت : لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر عند امرأته ابنة خارجة بالعوالي ، فجعلوا يقولون : لم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بعض ما كان يأخذه عند
--> ( 1 ) في ب وه . ( 2 ) هذا عجز بيت للأعشى ، وصدره : * إليك أبيت اللعن كان كلالها * والذي في الديوان : الماجد الفرع . كذا في ب ود وه . وفرع كل شئ : أعلاه . ( 3 ) راجع ج 1 ص 133 . ( 4 ) في د ، واللسان : ثنى ولم يعرف هذا في اللغة . والأصول بنى . ( 5 ) راجع ج 2 ص 176 ( 6 ) السنح ( بضم أوله وسكون النون وقد تضم ) : موضع بعوالي المدينة ، وهي منازل بنى الحارث بن الخزرج ، بينهما وبين منزل النبي صلى الله عليه وسلم ميل .