القرطبي
215
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
السابعة - في قوله تعالى : ( ولم يصروا ) حجة واضحة ودلالة قاطعة لما قال سيف السنة ، ولسان الأمة القاضي أبو بكر بن الطيب : أن الانسان يؤاخذ بما وطن عليه بضميره ( 1 ) ، وعزم عليه بقلبه من المعصية . قلت : وفي التنزيل : " ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " [ الحج : 25 ] ( 2 ) وقال : " فأصبحت كالصريم " [ القلم : 20 ] ( 3 ) . فعوقبوا قبل فعلهم بعزمهم وسيأتي بيانه . وفي البخاري ( إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار ) قالوا : يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : ( إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) . فعلق الوعيد على الحرص وهو العزم وألغى إظهار السلاح ، وأنص من هذا ما خرجه الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري وصححه مرفوعا ( إنما الدنيا لأربعة نفر رجل أعطاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقا فهذا أفضل المنازل ، ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو [ صادق النية ] ( 4 ) يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء ، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو [ يخبط في مال بغير علم ] ( 4 ) لا يتقي فيه ربه ولا يصل به رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل ، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو أن مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء ) . وهذا الذي صار إليه القاضي هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ، ولا يلتفت إلى خلاف من زعم أن ما يهم الانسان به وإن وطن عليه ( 5 ) لا يؤاخذ به . ولا حجة [ له ] ( 6 ) في قول عليه السلام : ( من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة ) لان معنى ( فلم يعملها ) فلم يعزم على عملها بدليل ما ذكرنا ، ومعنى ( فإن عملها ) أي أظهرها أو عزم عليها بدليل ما وصفنا . وبالله توفيقنا . قوله تعالى : أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنت تجرى من تحتها الأنهر خالدين فيها ونعم أجر العملين ( 136 ) رتب تعالى بفضله وكرمه غفران الذنوب لمن أخلص في توبته ولم يصر على ذنبه . ويكن أن يتصل هذا بقصة أحد ، أي من فر ثم تاب ولم يصر فله مغفرة الله .
--> ( 1 ) في أوح وطن عليه ضميره ، وعلى ما أثبت يقدر العمول . ( 2 ) راجع ج 12 ص 34 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 241 . ( 4 ) زيادة عن سنن الترمذي . ( 5 ) المعمول محذوف في كل الأصول ، وتقديره في قوله القاضي السابق . ( 6 ) في ه .