القرطبي
213
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وفيه دليل على صحة التوبة بعد نقضها بمعاودة الذنب ، لان التوبة الأولى طاعة وقد انقضت وصحت ، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أخرى مستأنفة ، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه ، لأنه أضاف ( 1 ) إلى الذنب نقض التوبة ، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها ، لأنه أضاف ( 1 ) إليها ملازمة الالحاح بباب الكريم ، وأنه لا غافر للذنوب سواه . وقوله في أخر الحديث ( اعمل ما شئت ) أمر معناه الاكرام في أحد الأقوال ، فيكون من باب قوله : " ادخلوها بسلام " [ الحجر : 46 ] ( 2 ) . وآخر الكلام خبر ( 3 ) عن حال المخاطب بأنه مغفور له ما سلف من ذنبه ، ومحفوظ إن شاء الله تعالى فيما يستقبل من شأنه . ودلت الآية والحديث على عظيم فائدة الاعتراف بالذنب والاستغفار منه ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه ) أخرجاه في الصحيحين . وقال : يستوجب العفو الفتى إذا اعترف * بما جنى من الذنوب واقترف * وقال آخر : أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه * إن الجحود الذنب ذنبان وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ) . وهذه فائدة اسم الله تعالى الغفار والتواب ، على ما بيناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى . الخامسة - الذنوب التي يتاب منها إما كفر أو غيره ، فتوبة الكافر إيمانه مع ندمه على ما سلف من كفره ، وليس مجرد الايمان نفس توبة ، وغير الكفر إما حق لله تعالى ، وإما حق لغيره ، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك ، غير أن منها ما لم يكتف الشرع فيها بمجرد الترك بل أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء كالصلاة والصوم ، ومنها ما أضاف إليها كفارة كالحنث في الايمان والظهار وغير ذلك ، وأما حقوق الآدميين فلابد من إيصالها إلي مستحقيها ، فإن لم يوجدوا تصدق عنهم ، ومن لم يجد السبيل لخروج ما عليه لاعسار فعفو الله مأمول ، وفضله مبذول ، فكم ضمن من التبعات وبدل من السيئات بالحسنات . وستأتي زيادة بيان لهذا المعنى ( 4 ) .
--> ( 1 ) في ب ود وه : انضاف . ( 2 ) راجع ج 10 ص 32 ، وج 17 ص 21 . ( 3 ) في أوح : أخبر . ( 4 ) راجع ج 13 ص 77 .