القرطبي
198
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ( 126 ) ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ( 127 ) قوله تعالى : ( وما جعله الله إلا بشرى لكم ) الهاء للمدد ، وهو الملائكة أو الوعد أو الامداد ، ويدل عليه " يمددكم " أو للتسويم أو للانزال أو العدد على المعنى ، لان خمسة آلاف عدد . ( ولتطمئن قلوبكم به ) اللام لام كي ، أي ولتطمئن قلوبكم به جعله ، كقوله : " وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا " [ فصلت : 12 ] ( 1 ) أي وحفظا لها جعل ذلك . ( وما النصر إلا من عند الله ) يعني نصر المؤمنين ، ولا يدخل في ذلك نصر الكافرين ، لان ما وقع لهم من غلبة إنما هو إملاء محفوف بخذلان وسوء عاقبة وخسران . ( ليقطع طرفا من الذين كفروا ) أي بالقتل . ونظم الآية : ولقد نصركم الله ببدر ليقطع . وقيل : المعنى وما النصر إلا من عند الله ليقطع . ويجوز أن يكون متعلقا ب " يمددكم " ، أي يمددكم ليقطع . والمعنى : من قتل من المشركين يوم بدر ، عن الحسن وغيره . السدي : يعني به من قتل من المشركين يوم أحد وكانوا ثمانية عشر رجلا . ومعنى ( يكبتهم ) يحزنهم ، والمكبوت المحزون . وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مكبوتا فقال : ( ما شأنه ) ؟ . فقيل : مات بعيره . وأصله فيما ذكر بعض أهل اللغة " يكبدهم " أي يصيبهم بالحزن والغيظ في أكبادهم ، فأبدلت الدال تاء ، كما قلبت في سبت رأسه وسبده أي حلقه . كبت الله العدو كبتا إذا ( 2 ) صرفه وأذله ، كبده ، أصابه في كبده ، يقال : قد أحرق الحزن كبده ، وأحرقت العداوة كبده . وتقول العرب للعدو : أسود الكبد ، قال الأعشى : فما أجشمت ( 3 ) من إتيان قوم * هم الأعداء والأكباد سود كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت . وقرأ أبو مجلز " أو يكبدهم " بالدال . والخائب : المنقطع الامل . خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب . والخياب : القدح لا يوري .
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 345 . ( 2 ) في ب : أي صرفه . ( 3 ) أجشمت : كلفت على مشقة .