القرطبي

189

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومتركنا أمية مجلعبا ( 1 ) * وفي حيزومه لدن نبيل ( 2 ) وهام بني ربيعة سائلوها * ففي أسيافها منها فلول ألا يا هند لا تبدي شماتا بحمزة إن عزكم ذليل ألا يا هند فابكي لا تملي * فأنت الواله العبري الهبول ( 3 ) ورثته أيضا أخته صفية ، وذلك مذكور في السيرة ، رضي الله عنهم أجمعين . قوله تعالى : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) فيه مسألة واحدة ، وهي بيان التوكل . والتوكل في اللغة إظهار العجز والاعتماد على الغير ( 4 ) * وواكل فلان إذا ضيع أمره متكلا على غيره . وأختلف العلماء في حقيقة التوكل ، فسئل عنه سهل بن عبد الله فقال : قالت فرقة أرض الرضا بالضمان ، وقطع الطمع من المخلوقين . وقال قوم : التوكل ترك الأسباب والركون إلى مسبب الأسباب ، فإذا شغله السبب عن المسبب زال عنه اسم التوكل . قال سهل : من قال إن التوكل يكون بترك السبب فقد طعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لان الله عز وجل يقول : " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا " [ الأنفال : 69 ] ( 5 ) فالغنيمة اكتساب . وقال تعالى : " فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان " [ الأنفال : 12 ] ( 6 ) فهذا عمل . وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب العبد المحترف ) . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرضون على السرية ( 7 ) . وقال غيره : وهذا قول عامة الفقهاء ، وأن التوكل على الله هو الثقة بالله والايقان بأن قضاءه ماض ، وأتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم في السعي فيما لابد منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنة الله تعالى المعتادة . وإلى هذا ذهب محققو الصوفية ، لكنه لا يستحق اسم التوكل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب والالتفات إليها بالقلوب ، فإنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا ، بل السبب والمسبب فعل الله تعالى ، والكل منه وبمشيئته ، ومتى وقع من المتوكل ركون إلى تلك الأسباب فقد انسلخ عن ذلك الاسم . ثم المتوكلون على

--> ( 1 ) المجلعب : المصروع إما ميتا وإما صرعا شديدا . ( 2 ) الحيزوم : وسط الصدر وما يضم عليه الحزام . واللدن : الرمح . ( 3 ) الهبول من النساء : الثكول . ( 4 ) في ب ود : غيرك وفى ه‍ : غيره . ( 5 ) راجع ج 8 ص 51 . ( 6 ) راجع ج 7 ص 377 . ( 7 ) السرية : طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة سموا بذلك لأنهم تكون من خلاصة العسكر وخيارهم ، من الشئ السري : النفيس .