القرطبي

183

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من المفسرين : هو دعاء عليهم . أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا . فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة بخلاف اللعنة . الثاني : أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون ، فإن الموت دون ذلك . فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة . ويجري ( 1 ) هذا المعنى مع قول مسافر ابن أبي عمرو : ويتمنى ( 2 ) في أرومتنا * ونفقا عين من حسدا وينظر إلى هذا المعنى قوله تعالى : " من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع " [ الحج : 15 ] ( 3 ) . قوله تعالى إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعلمون محيط ( 120 ) قوله تعالى : " إن تمسسكم حسنة تسؤهم " قرأ السلمي بالياء والباقون بالتاء . واللفظ عام في كل ما يحسن ويسوء . وما ذكره المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم إلى غير ذلك من الأقوال أمثلة وليس باختلاف . والمعنى في الآية : أن من كانت هذه صفته من شدة العداوة والحقد والفرح بنزول الشدائد على ( 4 ) المؤمنين ، لم يكن أهلا لان يتخذ بطانة ، لا سيما في هذا الامر الجسيم من الجهاد الذي هو ملاك الدنيا والآخرة ، ولقد أحسن القائل في قوله : كل العداوة قد ترجى إفاقتها * إلا عداوة من عاداك من حسد ( وإن تصبروا ) أي على أذاهم وعلى الطاعة وموالاة المؤمنين ( وتتقوا لا يضركم ( 5 ) كيدهم شيئا ) . يقال : ضاره يضوره ويضيره ضيرا وضورا ، فشرط تعالى نفي ضررهم بالصبر والتقوى ، فكان ذلك تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم .

--> ( 1 ) في و : يجوز . ( 2 ) في ه‍ : ونتمى ، وفى ابن عطية ونبني ، وفى الأغاني : وزمزم من أرومتنا . ( 3 ) راجع ج 13 ص 21 . ( 4 ) في دوب وه‍ بالمؤمنين . ( 5 ) قراءة نافع .