القرطبي

176

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وقيل : في الكلام حذف ، والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة ، فترك الأخرى اكتفاء بالأولى ، كقول أبي ذؤيب : عصاني ( 1 ) إليها القلب إني لامره * مطيع فما أدري أرشد طلابها أراد : أرشد أم غي ، فحذف . قال الفراء : " أمة " رفع ب‍ " سواء ، والتقدير : ليس يستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة . قال النحاس : هذا قول خطأ من جهات : إحداها أنه يرفع " أمة " ب‍ " سواء " فلا يعود على اسم ليس بشئ ، ويرفع بما ليس جاريا على الفعل ويضمر ما لا يحتاج إليه ، لأنه قد تقدم ذكر الكافر فليس لاضمار هذا وجه . وقال أبو عبيدة : هذا مثل قولهم : أكلوني البراغيث ، وذهبوا أصحابك . قال النحاس : وهذا غلط ، لأنه قد تقدم ذكرهم ، وأكلوني البراغيث لم يتقدم لهم ذكر . و ( آناء الليل ) ساعاته . وأحدها إني وأنى وإني ، وهو منصوب على الظرف . و ( يسجدون ) يصلون ، عن الفراء والزجاج ، لان التلاوة لا تكون في الركوع والسجود . نظيره قوله : " وله يسجدون " ( 2 ) أي يصلون . وفي الفرقان : " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن " [ الفرقان : 60 ] ( 3 ) وفي النجم " فاسجدوا لله واعبدوا " [ النجم : 62 ] ( 4 ) . وقيل : يراد به السجود المعروف خاصة . وسبب النزول يرده ، وأن المراد صلاة العتمة كما ذكرنا عن ابن مسعود ، فعبدة الأوثان ناموا حيث جن عليهم الليل ، والموحدون قيام بين يدي الله تعالى في صلاة العشاء يتلون آيات الله ، ألا ترى لما ذكر قيامهم قال " وهم يسجدون " أي مع القيام أيضا . الثوري : هي الصلاة بين العشاءين . وقيل : هي في قيام الليل . وعن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب قال : إنا نجد كلاما من كلام الرب عز وجل : أيحسب راعي إبل أو راعي غنم إذا جنه الليل انخذل ( 5 ) كمن هو قائم وساجد إناء الليل . ( يؤمنون بالله ) يعني يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم . ( ويأمرون بالمعروف ) قيل : هو عموم . وقيل : يراد به الامر بأتباع النبي صلى الله عليه وسلم . ( وينهون عن المنكر ) والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته . ( ويسارعون في الخيرات ) التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين

--> ( 1 ) في الأصول : * عصيت إليها القلب إني لأمرها * والتصويب عن ديوان أبى ذؤيب . يقول : عصاني القلب وذهب إليها فأنا اتبع ما يأمرني به . ( 2 ) راجع ج 7 ص 356 . ( 3 ) راجع ج 13 ص 64 . ( 4 ) راجع ج 17 ص 121 . ( 5 ) انخذل : انفرد .