القرطبي

171

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومثله قوله تعالى : " كيف نكلم من كان في المهد ( 1 ) صبيا " [ مريم : 29 ] . وقوله : " واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم " [ الأعراف : 86 ] ( 2 ) . وقال في موضع آخر : " واذكروا إذ أنتم قليل " ( 2 ) . وروى سفيان عن ميسرة الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة " كنتم خير أمة أخرجت للناس " قال : تجرون الناس بالسلاسل إلى الاسلام . قال النحاس : والتقدير على هذا كنتم للناس خير أمة . وعلى قول مجاهد : كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر . وقيل : إنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة لان المسلمين منهم أكثر ، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى . فقيل : هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( خير الناس قرني ) أي الذين بعثت فيهم . الثانية - وإذا ثبت بنص التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم ، فقد روى الأئمة من حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) . [ الحديث ] ( 3 ) وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل ممن بعدهم ، وإلى هذا ذهب معظم العلماء ، وأن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرة في عمره أفضل ممن يأتي بعده ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل . وذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وإن قول عليه السلام : ( خير الناس قرني ) ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول . وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهرين للايمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الخدود ، وقال لهم : ما تقولون في السارق والشارب والزاني . وقال مواجهة لمن هو في قرنه : ( لا تسبوا أصحابي ) . وقال لخالد ابن الوليد في عمار : ( لا تسب من هو خير منك ) وروى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرات لمن لم يرني وآمن بي ) . وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر . قال : كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أتدرون أي الخلق أفضل إيمانا ) قلنا

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 101 . ( 2 ) راجع ج 2 ص 249 ، وص 394 ( 3 ) الزيادة من ه‍ ود وب ، في د وب : من كل من يأتي .