القرطبي

15

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء ، فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل . فلما حضر قال له عمر : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبيغ . فقال عمر رضي الله عنه : وأنا عبد الله عمر ، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي . وقد اختلفت الروايات في أدبه ، وسيأتي ذكرها في " الذاريات " . ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته . ومعنى " ابتغاء الفتنة " طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم ، ويردوا الناس إلى زيغهم . وقال أبو إسحاق الزجاج : معنى " ابتغاء تأويله " أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم ، فأعلم الله عز وجل أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله . قال : والدليل على ذلك قوله تعالى : " هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله - أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب - يقول الذين نسوه من قبل - أي تركوه - قد جاءت رسل ربنا بالحق " ( 1 ) أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل . قال : فالوقف على قوله تعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله . السابعة - قوله تعالى : ( وما يعلم تأويله إلا الله ) يقال : إن جماعة من اليهود منهم حيى بن أخطب دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : بلغنا أنه نزل عليك " ألم " ، فإن كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة ، لان الألف في حساب الجمل واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فنزل " وما يعلم تأويله إلا الله " . والتأويل يكون بمعنى التفسير ، كقولك : تأويل هذه الكلمة على كذا . ويكون بمعنى ما يؤول الامر إليه . واشتقاقه من آل الامر إلى كذا يؤول إليه ، أي صار . وأولته تأويلا أي صيرته . وقد حده بعض الفقهاء فقالوا : هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه . فالتفسير بيان اللفظ ، كقوله " لا ريب فيه " أي لا شك . وأصله من الفسر وهو البيان ، يقال : فسرت

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 217 .