القرطبي

149

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

على قدر طاقتهم ويسرهم وجلدهم . قال أشهب لمالك : أهو الزاد والراحلة ؟ . قال : لا والله ، ما ذاك إلا على قدر طاقة الناس ، وقد يجد الزاد والراحلة ولا يقدر على السير ، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه . إذا وجدت الاستطاعة وتوجه فرض الحج يعرض ما يمنع منه كالغريم يمنعه عن الخروج حتى يؤدى الدين ، ولا خلاف في ذلك . أو يكون له عيال يجب عليه نفقتهم فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه ، لان هذا الانفاق فرض على الفور ، والحج فرض على التراخي ، فكان تقديم العيال أولى . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ) . وكذلك الأبوان يخاف الضيعة عليهما وعدم العوض في التلطف بهما ، فلا سبيل له إلى الحج ، فإن منعاه لأجل الشوق والوحشة فلا يلتفت إليه . والمرأة يمنعها زوجها ، وقيل لا يمنعها . والصحيح المنع ، لا سيما إذا قلنا إن الحج لا يلزم على الفور . والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامة - كما تقدم بيانه في البقرة ( 1 ) - ويعلم من نفسه أنه لا يميد ( 2 ) . فإن كان الغالب عليه العطب أو الميد حتى يعطل الصلاة فلا . وإن كان لا يجد موضعا لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال مالك : إذا لم يستطع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه . ثم قال : أيركب حيث لا يصلي ! ويل لمن ترك الصلاة ! ويسقط الحج إذا كان في الطريق عدو يطلب الأنفس أو يطلب من الأموال ما لم يتحدد بحد مخصوص أو يتحدد بقدر مجحف . وفي سقوطه بغير المجحف خلاف . وقال الشافعي : لا يعطى حبة ويسقط فرض الحج . ويجب على المتسول إذا كانت تلك عادته وغلب على ظنه أنه يجد من يعطيه . وقيل لا يجب ، على ما تقدم من مراعاة الاستطاعة . إذا زالت الموانع ولم يكن عنده من الناض ( 3 ) ما يحج به وعنده عروض فيلزمه أن يبيع من عروضه للحج ما يباع عليه في الدين . وسئل ابن القاسم عن الرجل تكون له القربة

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 195 . ( 2 ) المائد : الذي يركب البحر فنعثى نفسه من نتن ماء البحر حتى يدار به ويكاد يغشى عليه . ( 3 ) الناض : الدراهم والدنانير .