القرطبي

135

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ذلك بلاء شديدا ، فكان لا ينام الليل من الوجع ويبيت وله زقاء ( 1 ) أي صياح ، فحلف يعقوب عليه السلام إن شفاه الله عز وجل ألا يأكل عرقا ، ولا يأكل طعاما فيه عرق فحرمها على نفسه ، فجعل بنوه يتبعون بعد ذلك العروق فيخرجونها من اللحم . وكان سبب غمز الملك ليعقوب ( 2 ) أنه كان نذر إن وهب الله له اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم ( 3 ) . فكان ذلك للمخرج من نذره ، عن الضحاك . الثانية - واختلف هل كان التحريم من يعقوب باجتهاد منه أو بإذن من الله تعالى ؟ والصحيح الأول ، لان الله تعالى أضاف التحريم إليه بقوله تعالى : " إلا ما حرم " وأن النبي إذا أداه اجتهاده إلى شئ كان دينا يلزمنا اتباعه لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك . وكما يوحى إليه ويلزم اتباعه ، كذلك يؤذن له ويجتهد ، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه ، ولولا تقدم الاذن له في تحريم ذلك ما تسور ( 4 ) على التحليل والتحريم . وقد حرم نبينا صلى الله عليه وسلم العسل على الرواية الصحيحة ، أو خادمه مارية فلم يقر الله تحريمه ونزل : " لم تحرم ما أحل الله لك " [ التحريم : 1 ] على ما يأتي بيانه في " التحريم " ( 5 ) . قال الكيا الطبري : فيمكن أن يقال : مطلق قوله تعالى : " لم تحرم ما أجل الله " يقتضي ألا يختص بمارية ، وقد رأى الشافعي أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى ، فجعلها مخصوصا بموضع النص ، وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين . الثالثة - قوله تعالى : ( قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) قال ابن عباس : لما أصاب يعقوب عليه السلام عرق النساء وصف الأطباء له أن يجتنب لحوم الإبل فحرمها على نفسه . فقالت اليهود : إنما نحرم على أنفسنا لحوم الإبل ، لان يعقوب حرمها وأنزل الله تحريمها في التوراة ، فأنزل الله هذه الآية . قال الضحاك : فكذبهم الله ورد عليهم فقال : يا محمد " قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " فلم يأتوا . فقال عز وجل : ( فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون ) قال الزجاج : في هذه الآية

--> ( 1 ) في ز وا : رغاء ، والتصحيح من ب ، ود وح‍ وه‍ وج . ( 2 ) في ب ود ، وفى الأصول الأخرى : غمز الملك فخذه . ( 3 ) في د : أحدهم . ( 4 ) تسور : هجم . ( 5 ) راجع ج 18 ص 177 .