القرطبي

11

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل ، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه . والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل ، ابتلى الله فيهن العباد ، وقاله مجاهد وابن إسحاق . قال ابن عطية : وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية . قال النحاس : أحسن ما قيل في المحكمات ، والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره ، نحو " لم يكن له كفوا أحد " ( 1 ) " وإني لغفار لمن تاب " ( 2 ) . والمتشابهات نحو " إن الله يغفر الذنوب جميعا " ( 3 ) يرجع فيه إلى قوله جل وعلا : " وإني لغفار لمن تاب " وإلى قوله عز وجل : " إن الله لا يغفر أن يشرك به " ( 4 ) . قلت : ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية ، وهو الجاري على وضع اللسان ، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم ، والاحكام الاتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد ، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الامرين جاء التشابه والاشكال . والله أعلم . وقال ابن خويز منداد : للمشابه وجوه ، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى ، كقول على وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أقصى الأجلين . فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون ( وضع الحمل ) ويقولون : سورة النساء ( 5 ) القصرى نسخت أربعة أشهر وعشرا . وكان على وابن عباس يقولان لم تنسخ . وكاختلافهم في الوصية للوارث هل نسخت أم لم تنسخ . وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه ، كقوله تعالى : " وأحل لكم ما وراء ذلكم " ( 6 ) يقتضى الجمع بين الأقارب من ملك اليمين ، وقوله تعالى : " وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف " ( 6 ) يمنع ذلك . ومنه أيضا تعارض الاخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وتعارض الأقيسة ، فذلك المتشابه . وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم ( 7 ) محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير لان الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه . والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعا ، كما قرئ :

--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 246 . ( 2 ) راجع ج 11 ص 123 . ( 3 ) راجع ج 15 ص 267 . ( 4 ) راجع ج 5 ص 245 . ( 5 ) هي سورة الطلاق . ومراده منها " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " آية 4 . ( 6 ) راجع ج 5 ص 116 و 124 . ( 7 ) في نسخة : ب ، الامر .