القرطبي

113

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قرأ " آن كان ذا مال " [ القلم : 14 ] ( 1 ) أي ألان . وقوله " أو يحاجوكم " على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ، أو تكون " أو " بمعنى " أن " لأنهما حرفا شك وجزاء يوضع أحدهما موضع الاخر . ( 2 ) وتقدير الآية : وأن يحاجوكم عند ربكم يا معشر المؤمنين ، فقل : يا محمد إن الهدى هدى الله ونحن عليه . ومن قرأ بترك المد قال : إن النفي الأول دل على إنكارهم في قولهم ولا تؤمنوا . فالمعنى أن علماء اليهود قالت لهم : لا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، أي لا إيمان لهم ولا حجة ، فعطف على المعنى من العلم والحكمة والكتاب والحجة والمن والسلوى وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات ، أي إنها لا تكون إلا فيكم فلا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم . فالكلام فيه تقديم وتأخير على هذه القراءة واللام زائدة . ومن استثنى ليس من الأول ، وإلا لم يجز الكلام . ودخلت " أحد " لان أول الكلام نفي ، فدخلت في صلة " أن " لأنه مفعول الفعل المنفي ، فأن في موضع نصب لعدم الخافض . وقال الخليل : ( أن ) في موضع خفض بالخافض المحذوف . وقيل : إن اللام ليست بزائدة ، و " تؤمنوا " محمول على تقروا . وقال ابن جريج : المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهية أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم . وقيل : المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون طريقا إلى عبدة الأوثان إلى تصديقه . وقال الفراء : يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قول عز وجل " إلا لمن تبع دينكم " ثم قال لمحمد صلى الله عليه وسلم " قل إن الهدى هدى الله " . أي إن البيان الحق هو بيان الله عز وجل " أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم " بين ألا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ، و " لا " مقدرة بعد " أن " أي لئلا يؤتى ، كقوله " يبين الله لكم أن تضلوا " [ النساء : 176 ] ( 3 ) أي لئلا تضلوا ، فلذلك صلح دخول " أحد " في الكلام . و " أو " بمعنى " حتى " و " إلا أن " ، كما قال امرؤ القيس : فقلت له لا تبك عينك إنما * نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال آخر : ( 4 ) وكنت إذا غمزت قناة قوم * كسرت كعوبها أو تستقيما

--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 236 . ( 2 ) في الأصول : إحداهما موضع الأخرى . ( 3 ) راجع ج 6 ص 28 . ( 4 ) هو زياد الأعجم .