القرطبي
106
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
[ وأسلم ] ( 1 ) يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ( 2 ) ، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله - إلى قوله : " فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون " . لفظ مسلم . والسواء العدل والنصفة ، قاله قتادة . وقال زهير : أروني خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء الفراء : ويقال في معنى العدل سوى وسوى ، فإذا فتحت السين مددت وإذا كسرت أو ضممت قصرت ، كقوله تعالى : " مكانا سوى " [ طه : 58 ] . قال : وفي قراءة عبد الله " إلى كلمة عدل بيننا وبينكم " وقرأ قعنب ( 3 ) " كلمة " بإسكان اللام ، ألقى حركة اللام على الكاف ، كما يقال كبد . فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه ، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق ، وقد فسرها بقوله تعالى : " ألا نعبد إلا الله " فموضع " أن " خفض على البدل من " كلمة " ، أو رفع على إضمار مبتدأ ، التقدير هي أن لا نعبد إلا الله . أو تكون مفسرة لا موضع لها ، ويجوز مع ذلك في " نعبد " وما عطف عليه الرفع والجزم : فالجزم على أن تكون " أن " مفسرة بمعنى أي ، كما قال عز وجل : " أن امشوا " [ ص : 6 ] وتكون " لا " جازمة . هذا مذهب سيبويه . ويجوز على هذا أن ترفع " نعبد " وما بعده يكون خبرا . ويجوز الرفع بمعنى أنه لا نعبد ، ومثله " ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا " [ طه : 89 ] ( 4 ) . وقال الكسائي والفراء : " ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ " بالجزم على التوهم أنه ليس في أول الكلام أن . الثانية - قوله تعالى : ( ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) أي لا نتبعه في تحليل شئ أو تحريمه إلا فيما حلله الله تعالى . وهو نظير قوله تعالى : " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " [ التوبة : 31 ] ( 5 ) معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله ولم يحله الله . وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي ، قال الكيا الطبري : مثل استحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون مستندات بينة . وفيه رد على الروافض الذين يقولون : يجب قبول [ قول ] الامام دون إبانة
--> ( 1 ) زيادة عن صحيح مسلم . ( 2 ) الأريسيين : الأكارون والفلاحون والخدم ، والخول ، كل ذلك وارد في معنى هذه الكلمة . ( 3 ) هو أبو السمان العدوي . ( 4 ) راجع ج 11 ص 236 . ( 5 ) راجع ج 8 ص 119 .