القرطبي

95

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك ، فنفر من ذلك ، وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا على ، كذبوا على ، كذبوا على ! ثم قال : ألستم قوما عربا ؟ ألم يقل الله تعالى : " نساؤكم حرث لكم " ؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت ( 1 ) ! وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل : " أنى شئتم " شامل للمسالك بحكم عمومها فلا حجة فيها ، إذ هي مخصصة بما ذكرناه ، وبأحاديث صحيحة حسان وشهيرة رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا بمتون مختلفة ، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الادبار ، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده ، وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه " تحريم المحل المكروه " . ولشيخنا أبى العباس أيضا في ذلك جزء سماه " إظهار إدبار ، من أجاز الوطئ في الادبار " . قلت : وهذا هو الحق المتبع والصحيح في المسألة ، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه . وقد حذرنا من زلة العالم . وقد روى عن ابن عمر خلاف هذا ، وتكفير من فعله ، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه . وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك ، كما ذكر النسائي ، وقد تقدم . وأنكر ذلك مالك واستعظمه ، وكذب من نسب ذلك إليه . وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن سعيد ابن يسار أبى الحباب قال : قلت لابن عمر : ما تقول في الجواري حين أحمض ( 2 ) بهن ؟ قال : وما التحميض ؟ فذكرت له الدبر ، فقال : هل يفعل ذلك أحد من المسلمين ! وأسند عن خزيمة بن ثابت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أيها الناس إن الله لا يستحى من الحق لا تأتوا النساء في أعجازهن " . ومثله عن علي بن طلق . وأسند عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة " وروى أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تلك اللوطية الصغرى " يعنى

--> ( 1 ) في ب : " النبت " . ( 2 ) التحميض : أن يأتي الرجل المرأة في غير مأتاها الذي يكون موضع الولد .