القرطبي
90
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
حائض ، والحائض لا يجوز وطؤها اتفاقا . وأيضا فإن ما قالوه يقتضى إباحة الوطئ عند انقطاع الدم للأكثر وما قلناه يقتضى الحظر ، وإذا تعارض ما يقتضى الحظر وما يقتضى الإباحة ويغلب باعثاهما غلب باعث الحظر ، كما قال على وعثمان في الجمع بين الأختين بملك اليمين ، أحلتهما آية وحرمتهما أخرى ، والتحريم أولى . والله أعلم . الحادية عشرة - واختلف علماؤنا في الكتابية هل تجبر على الاغتسال أم لا ، فقال مالك في رواية ابن القاسم : نعم ، ليحل للزوج وطؤها ، قال الله تعالى : " ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن " يقول بالماء ، ولم يخص مسلمة من غيرها . وروى أشهب عن مالك أنها لا تجبر على الاغتسال من المحيض ، لأنها غير معتقدة لذلك ، لقوله تعالى : " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ( 1 ) " وهو الحيض والحمل ، وإنما خاطب الله عز وجل بذلك المؤمنات ، وقال : " لا إكراه في الدين ( 2 ) " وبهذا كان يقول محمود بن عبد الحكم . الثانية عشرة - وصفة غسل الحائض صفة غسلها من الجنابة ، وليس عليها نقض شعرها في ذلك ، لما رواه مسلم عن أم سلمة قالت قلت : يا رسول الله ، إني أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة ؟ قال : " لا إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " وفى رواية : أفأنقضه للحيضة والجنابة ؟ فقال : " لا " زاد أبو داود : " واغمزي قرونك عند كل حفنة " . الثالثة عشرة - قوله تعالى : ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) أي فجامعوهن . وهو أمر إباحة ، وكنى بالاتيان عن الوطئ ، وهذا الامر يقوى ما قلناه من أن المراد بالتطهر الغسل بالماء ، لان صيغة الامر من الله تعالى لا تقع إلا على الوجه الأكمل . والله أعلم . و " من " بمعنى في ، أي في حيث أمركم الله تعالى وهو القبل ، ونظيره قوله تعالى : " أروني ماذا خلقوا من الأرض ( 3 ) " أي في الأرض ، : وقوله : " إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ( 4 ) " أي في يوم الجمعة . وقيل : المعنى ، أي من الوجه الذي أذن لكم فيه ، أي من غير صوم وإحرام
--> ( 1 ) آية 228 سورة البقرة . ( 2 ) آية 256 سورة البقرة . ( 3 ) آية 40 سورة فاطر . ( 4 ) آية 9 سورة الجمعة .