القرطبي

89

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة . وهذا تحكم لا وجه له ، وقد حكموا للحائض بعد انقطاع دمها بحكم الحبس في العدة وقالوا لزوجها : عليها الرجعة ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ، فعلى قياس قولهم هذا لا يجب أن توطأ حتى تغتسل ، مع موافقة أهل المدينة . ودليلنا أن الله سبحانه علق الحكم فيها على شرطين : أحدهما - انقطاع الدم ، وهو قوله تعالى : " حتى يطهرن " . والثاني - الاغتسال بالماء ، وهو قوله تعالى : " فإذا تطهرن ( 1 ) " أي يفعلن الغسل بالماء ، وهذا مثل قوله تعالى : " وابتلوا اليتامى حتى ذا بلغوا النكاح ( 2 ) " الآية ، فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين : أحدهما - بلوغ المكلف النكاح . والثاني - إيناس الرشد ، وكذلك قوله تعالى في المطلقة : " فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ( 3 ) " ثم جاءت السنة باشتراط العسيلة ، فوقف التحليل على الامرين جميعا ، وهو انعقاد النكاح ووجود الوطئ . احتج أبو حنيفة فقال : إن معنى الآية ، الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها ، فيكون قوله : " حتى يطهرن " مخففا هو بمعنى قوله : " يطهرن " مشددا بعينه ، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية ، كما قال تعالى : " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ( 4 ) " . قال الكميت : وما كانت الأنصار فيها أذلة * ولا غيبا فيها إذا الناس غيب وأيضا فإن القراءتين كالآيتين فيجب أن يعمل بهما . ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى ، فنحمل المخففة على ما إذا انقطع دمها للأقل ، فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل ، لأنه لا يؤمن عوده : ونحمل القراءة الأخرى على ما إذا انقطع دمها للأكثر فيجوز وطؤها وإن لم تغتسل . قال ابن العربي : وهذا أقوى مالهم ، فالجواب عن الأول : أن ذلك ليس من كلام الفصحاء ، ولا ألسن البلغاء ، فإن ذلك يقتضى التكرار في التعداد ، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجردة لم يحمل على التكرار في كلام الناس ، فكيف في كلام العليم الحكيم ! وعن الثاني : أن كل واحدة منهما محمولة على معنى دون معنى الأخرى ، فيلزمهم إذا انقطع الدم ألا يحكم لها بحكم الحيض قبل أن تغتسل في الرجعة ، وهم لا يقولون ذلك كما بيناه ، فهي إذا

--> ( 1 ) الآية في الأصول : " حتى يتطهرن " وهو تحريف . راجع ابن العربي ج 1 : 70 طبع السعادة . ( 2 ) آية 6 سورة النساء . ( 3 ) آية 230 سورة البقرة . ( 4 ) آية 108 سورة التوبة .