القرطبي

85

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من صلاة ولا صوم بإجماع من العلماء واتفاق من الآثار المرفوعة إذا كان معلوما أنه دم عرق لا دم حيض . روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : قالت فاطمة بنت أبي حبيش : يا رسول الله ، إني لا أطهر ! أفأدع الصلاة ؟ فقال رسول ( 1 ) الله صلى الله عليه وسلم : " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة إذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلى " . وفى هذا الحديث مع صحته وقلة ألفاظه ما يفسر لك أحكام الحائض والمستحاضة ، وهو أصح ما روى في هذا الباب ، وهو يرد ما روى عن عقبة بن عامر ومكحول أن الحائض تغتسل وتتوضأ عند كل وقت صلاة ، وتستقبل القبلة ذاكرة الله عز وجل جالسة . وفيه أن الحائض لا تصلى ، وهو إجماع من كافة العلماء إلا طوائف من الخوارج يرون على الحائض الصلاة . وفيه ما يدل على أن المستحاضة لا يلزمها غير ذلك الغسل الذي تغتسل من حيضها ، ولو لزمها غيره لأمرها به ، وفيه رد لقول من رأى ذلك عليها لكل صلاة . ولقول من رأى عليها أن تجمع بين صلاتي النهار بغسل واحد ، وصلاتي الليل بغسل واحد وتغتسل للصبح . ولقول من قال : تغتسل من طهر إلى طهر . ولقول سعيد بن المسيب من طهر إلى طهر ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمرها بشئ من ذلك . وفيه رد لقول من قال بالاستظهار ، لان النبي صلى الله عليه وسلم أمرها إذا علمت أن حيضتها قد أدبرت وذهبت أن تغتسل وتصلى ، ولم يأمرها أن تترك الصلاة ثلاثة أيام لانتظار حيض يجئ ، أو لا يجئ ، والاحتياط إنما يكون في عمل الصلاة لا في تركها . الخامسة - قوله تعالى : ( قل هو أذى ) أي هو شئ تتأذى به المرأة وغيرها أي برائحة دم الحيض . والأذى كناية عن القذر على الجملة . ويطلق على القول المكروه ، ومنه قوله تعالى : " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ( 2 ) " أي بما تسمعه من المكروه . ومنه قوله تعالى : " ودع أذاهم ( 3 ) " أي دع أذى المنافقين لا تجازهم إلا أن تؤمر فيهم ، وفى الحديث :

--> ( 1 ) في ب : " فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " . ( 2 ) آية 264 سورة البقرة . ( 3 ) آية 48 سورة الأحزاب .