القرطبي
83
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وأجمع العلماء على أن الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة ، لحديث معاذة قالت : سألت عائشة فقلت : ما بال الحائض تقضى الصوم ولا تقضى الصلاة ؟ قالت : أحرورية ( 1 ) أنت ؟ قلت : لست بحرورية ، ولكني أسأل . قالت : كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ، خرجه مسلم . فإذا انقطع عنها كان طهرها منه الغسل ، على ما يأتي . الرابعة - واختلف العلماء في مقدار الحيض ، فقال فقهاء المدينة : إن الحيض لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما ، وجائز أن يكون خمسة عشر يوما فما دون ، وما زاد على خمسة عشر يوما لا يكون حيضا وإنما هو استحاضة ، هذا مذهب مالك وأصحابه . وقد روى عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا لكثيره إلا ما يوجد في النساء ، فكأنه ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء . وقال محمد بن مسلمة : أقل الطهر خمسة عشر يوما ، وهو اختيار أكثر البغداديين من المالكيين ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والثوري ، وهو الصحيح في الباب ، لان الله تعالى قد جعل عدة ذوات الأقراء ثلاث حيض ، وجعل عدة من لا تحيض من كبر أو صغر ثلاثة أشهر ، فكان كل قرء عوضا من شهر ، والشهر يجمع الطهر والحيض . فإذا قل الحيض كثر الطهر ، وإذا كثر الحيض قل الطهر ، فلما كان أكثر الحيض خمسة عشر يوما وجب أن يكون بإزائه أقل الطهر خمسة عشر يوما ليكمل في الشهر الواحد حيض وطهر ، وهو المتعارف في الأغلب من خلقة النساء وجبلتهن مع دلائل القرآن والسنة . وقال الشافعي : أقل الحيض يوم وليلة ، وأكثره خمسة عشر يوما . وقد روى عنه مثل قول مالك : إن ذلك مردود إلى عرف النساء . وقال أبو حنيفة وأصحابه : أقل الحيض ثلاثة أيام ، وأكثره عشرة . قال ابن عبد البر : ما نقص عند هؤلاء عن ثلاثة أيام فهو استحاضة ، لا يمنع من الصلاة إلا عند أول ظهوره ، لأنه لا يعلم مبلغ مدته . ثم على المرأة قضاء صلاة تلك
--> ( 1 ) الحرورية : طائفة من الخوارج نسبوا إلى " حروراء " وهو موضع قريب من الكوفة ، وهم الذين قاتلهم علي رضي الله عنه ، وكان عندهم من التشديد في الدين ما هو معروف ، فلما رأت عائشة هذه المرأة تشدد في أمر الحيض شبهتها بالحرورية . وقيل : أرادت أنها خالفت السنة وخرجت عن الجماعة .