القرطبي
81
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيما قال قتادة وغيره : أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب مؤاكلة الحائض ومساكنتها ، فنزلت هذه الآية . وقال مجاهد : كانوا يتجنبون النساء في الحيض ، ويأتونهن في أدبارهن مدة زمن الحيض ، فنزلت . وفى صحيح مسلم عن أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن ( 1 ) في البيوت ، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : " ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " إلى آخر الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اصنعوا كل شئ إلا النكاح " فبلغ ذلك اليهود ، فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه ، فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله ، إن اليهود تقول كذا وكذا ، أفلا نجامعهن ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى ظننا أن قد وجد ( 2 ) عليهما ، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأرسل في آثارهما فسقاهما ، فعرفا أن لم يجد عليهما . قال علماؤنا : كانت اليهود والمجوس تجتنب الحائض ، وكانت النصارى يجامعون الحيض ، فأمر الله بالقصد بين هذين . الثانية - قوله تعالى : ( عن المحيض ) المحيض : الحيض وهو مصدر ، يقال : حاضت المرأة حيضا ومحاضا ومحيضا ، فهي حائض ، وحائضة أيضا ، عن الفراء وأنشد : * كحائضة يزنى بها غير طاهر * ونساء حيض وحوائض . والحيضة : المرة الواحدة . والحيضة ( بالكسر ) الاسم ، [ والجمع ] الحيض . والحيضة أيضا : الخرقة التي تستثفر ( 3 ) بها المرأة . قالت عائشة رضي الله عنها : ليتني كنت حيضة ملقاة . وكذلك المحيضة ، والجمع المحائض . وقيل : المحيض عبارة عن الزمان والمكان ، وعن الحيض نفسه ، وأصله في الزمان والمكان مجاز في الحيض . وقال الطبري : المحيض اسم للحيض ، ومثله قول رؤبة في العيش : إليك أشكو شدة المعيش * ومر أعوام ( 4 ) نتفن ريشي
--> ( 1 ) جمع الضمير ، لان المراد بالمرأة الجنس . ( هامش مسلم ) وفى ا ، ح " ولم يجامعوها " . ( 2 ) وجد عليهما : غضب . ومضارعه بضم الجيم وكسرها . ( 3 ) الاستثفار : أن تشد المرأة فرجها بخرقة عريضة ، أو قطنة تحتشى بها ثق طرفيها في شئ فتشده على وضعها فيمنع سيلان الدم . ( 4 ) في ب : " ومر أزمان " .