القرطبي
76
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لا حال لها جاز نكاحها ، ولا خيار لوليها لان كل واحد كف ء لها ، وقد روى عن مالك أن الشريفة والدنيئة لا يزوجها إلا وليها أو السلطان ، وهذا القول اختاره ابن المنذر ، قال : وأما تفريق مالك بين المسكينة والتي لها قدر فغير جائز ، لان النبي صلى الله عليه وسلم قد سوى بين أحكامهم في الدماء فقال : " المسلمون تتكافؤ دماؤهم " . وإذا كانوا في الدماء سواء فهم في غير ذلك شئ واحد . وقال إسماعيل بن إسحاق : لما أمر الله سبحانه بالنكاح جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض فقال تعالى : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ( 1 ) " والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا ، فلو أن رجلا مات ولا وارث له لكان ميراثه لجماعة المسلمين ، ولو جنى جناية لعقل عنه المسلمون ، ثم تكون ولاية أقرب من ولاية ، وقرابة أقرب من قرابة . وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه ولا ولى لها فإنها تصير أمرها إلى من يوثق به من جيرانها ، فيزوجها ويكون هو وليها في هذه الحال ، لان الناس لا بد لهم من التزويج ، وإنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن ، وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال : إنه يزوجها من تسند أمرها إليه ، لأنها ممن تضعف عن السلطان فأشبهت من لا سلطان بحضرتها ، فرجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها ، فأما إذا صيرت أمرها إلى رجل وتركت أولياءها فإنها أخذت الامر من غير وجهه ، وفعلت ما ينكره الحاكم عليها والمسلمون ، فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم أن حقيقته حرام ، لما وصفنا من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، ولما في ذلك من الاختلاف ، ولكن يفسخ لتناول الامر من غير وجهه ، ولأنه أحوط للفروج ولتحصينها ، فإذا وقع الدخول وتطاول الامر وولدت الأولاد وكان صوابا لم يجز الفسخ ، لأن الأمور إذا تفاوتت لم يرد منها إلا الحرام الذي لا يشك فيه ، ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم يفسخ إلا أن يكون خطأ لا شك فيه . وأما الشافعي وأصحابه فالنكاح عندهم بغير ولى مفسوخ أبدا قبل الدخول وبعده ، ولا يتوارثان إن مات أحدهما . والولي عندهم من فرائض النكاح ، لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة : قال الله تعالى : " وأنكحوا الأيامى منكم " كما قال : " فانكحوهن بإذن أهلهن " ، وقال مخاطبا للأولياء :
--> ( 1 ) آية 71 سورة التوبة .