القرطبي
48
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
بأرض الحرب ويخرجه من بلده ويستحل ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار ، لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد . واختلفوا في المرتدة ، فقال مالك والأوزاعي والشافعي والليث بن سعد : تقتل كما يقتل المرتد سواء ، وحجتهم ظاهر الحديث : " من بدل دينه فاقتلوه " . و " من " يصلح للذكر والأنثى . وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه : لا تقتل المرتدة ، وهو قول ابن شبرمة ، وإليه ذهب ابن علية ، وهو قول عطاء والحسن . واحتجوا بأن ابن عباس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من بدل دينه فاقتلوه " ثم إن ابن عباس لم يقتل المرتدة ، ومن روى حديثا كان أعلم بتأويله ، وروى عن علي مثله . ونهى صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان . واحتج الأولون بقوله عليه السلام : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان . . . " فعم كل من كفر بعد إيمانه ، وهو أصح . العاشرة - قال الشافعي : إن من ارتد ثم عاد إلى الاسلام لم يحبط عمله ولا حجه الذي فرغ منه ، بل إن مات على الردة فحينئذ تحبط أعماله . وقال مالك : تحبط بنفس الردة ، ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم ، فقال مالك : يلزمه الحج ، لان الأول قد حبط بالردة . وقال الشافعي : لا إعادة عليه ، لان عمله باق . واستظهر علماؤنا بقوله تعالى : " لئن أشركت ليحبطن عملك ( 1 ) " . قالوا : وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، لأنه عليه السلام يستحيل منه الردة شرعا . وقال أصحاب الشافعي : بل هو خطاب النبي صلى الله عليه وسلم على طريق التغليظ على الأمة ، وبيان أن النبي صلى الله عليه وسلم على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله ، فكيف أنتم ! لكنه لا يشرك لفضل مرتبته ، كما قال : " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ( 2 ) " وذلك لشرف منزلتهن ، وإلا فلا يتصور إتيان منهن صيانة لزوجهن المكرم المعظم ، ابن العربي . وقال علماؤنا : إنما ذكر الله الموافاة شرطا ها هنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء ، فمن وافى على الكفر خلده الله في النار بهذه الآية ، ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى ، فهما آيتان
--> ( 1 ) آية 65 سورة الزمر . ( 2 ) آية 30 سورة الأحزاب .