القرطبي

430

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

منزله لم يجد فيه سوى نحى سمن قد بقي فيه أثارة فشقه بين أيدينا ، فجعلنا نلعق ما فيه من السمن والرب ( 1 ) وهو يقول : ما كلف الله نفسا فوق طاقتها * ولا تجود يد إلا بما تجد الخامسة - اختلف الناس في جواز تكليف ما لا يطاق في الاحكام التي هي في الدنيا ، بعد اتفاقهم على أنه ليس واقعا في الشرع ، وأن هذه الآية أذنت بعدمه ، قال أبو الحسن الأشعري وجماعة من المتكلمين : تكليف ما لا يطاق جائز عقلا ، ولا يخرم ذلك شيئا من عقائد الشرع ، ويكون ذلك أمارة على تعذيب المكلف وقطعا به ، وينظر إلى هذا تكليف المصور أن يعقد شعيرة . واختلف القائلون بجوازه هل وقع في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أولا ؟ فقالت فرقة : وقع في نازلة أبى لهب ، لأنه كلفه بالايمان بجملة الشريعة ، ومن جملتها أنه لا يؤمن ، لأنه حكم عليه بتب اليدين وصلى النار ، وذلك مؤذن بأنه لا يؤمن ، فقد كلفه بأن يؤمن بأنه لا يؤمن . وقالت فرقة : لم يقع قط . وقد حكى الاجماع على ذلك . وقوله تعالى : " سيصلى نارا ( 2 ) " معناه إن وافى ، حكاه ابن عطية . " ويكلف " يتعدى إلى مفعولين أحدهما محذوف ، تقديره عبادة أو شيئا . فالله سبحانه بلطفه وإنعامه علينا وإن كان قد كلفنا بما يشق ويثقل كثبوت الواحد للعشرة ، وهجرة الانسان وخروجه من وطنه ومفارقة أهله ووطنه وعادته ، لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة ولا بالأمور المؤلمة ، كما كلف من قبلنا بقتل أنفسهم وقرض موضع البول من ثيابهم وجلودهم ، بل سهل ورفق ووضع عنا الإصر والاغلال التي وضعها على من كان قبلنا . فلله الحمد والمنة ، والفضل والنعمة . السادسة - قوله تعالى : ( لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) يريد من الحسنات والسيئات . قاله السدى . وجماعة المفسرين لا خلاف بينهم في ذلك ، قال ابن عطية . وهو مثل قوله : " ولا تزر وازرة وزر أخرى " " ولا تكسب كل نفس إلا عليها ( 3 ) " . والخواطر ونحوها ليست من كسب الانسان . وجاءت العبارة في الحسنات ب‍ " لها " من حيث هي مما

--> ( 1 ) الرب ( بالضم ) : دبس التمر إذا طبخ . ( 2 ) راجع ج 20 ص 234 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 156