القرطبي
417
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
" الدين شين الدين " . وروى عنه أنه قال : " الدين هم بالليل ومذلة بالنهار " . قال علماؤنا : وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال والهم اللازم في قضائه ، والتذلل للغريم عند لقائه ، وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه . وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف ، أو يحدث الغريم بسببه فيكذب ، أو يحلف له فيحنث ، إلى غير ذلك . ولهذا كان عليه السلام يتعوذ من المأثم والمغرم ، وهو الدين . فقيل له : يا رسول الله ، ما أكثر ما تتعوذ من المغرم ؟ فقال : " إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف " . وأيضا فربما قد مات ولم يقض الدين فيرتهن به ، كما قال عليه السلام : " نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يقضى عنه " . وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله . والله أعلم . الثالثة - لما أمر الله تعالى بالكتب والاشهاد وأخذ الرهان كان ذلك نصا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها ، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك ، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم ، ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أن يتعرض لمنن الاخوان أو لصدقاتهم ، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم ، وهذا الفعل مذموم منهي عنه . قال أبو الفرج الجوزي : ولست أعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم ، إنما أتعجب من أقوام لهم علم وعقل كيف حثوا على هذا ، وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل . فذكر المحاسبي في هذا كلاما كثيرا ، وشيده أبو حامد الطوسي ونصره . والحارث ( 1 ) عندي أعذر من أبى حامد ، لان أبا حامد كان أفقه ، غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه . قال المحاسبي في كلام طويل له : ولقد بلغني أنه لما توفى عبد الرحمن بن عوف قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك . فقال كعب : سبحان الله ! وما تخافون على عبد الرحمن ؟ كسب طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا . فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا ، فمر بلحى ( 3 ) بعير فأخذه بيده ، ثم أنطلق يطلب كعبا ، فقيل لكعب : إن أبا ذر يطلبك . فخرج هاربا حتى
--> ( 1 ) هو أبو عهد الله الحارث بن أسد الزاهد المحاسبي ، وسمى المحاسبي لكثرة محاسبته لنفسه . ( عن أنساب السمعاني ) . ( 2 ) أراد كعب الأحبار بدليل قوله له : يا بن اليهودية ، وهذا غير صحيح على ما يأتي في ص 418 ومما تمسك به بعض الملاحدة الاباحيين . ( 3 ) اللحى : عظم الحنك وهو الذي عليه الأسنان .