القرطبي

398

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بعد ، إذ لا يحصل في مقابلة الضلال الذي معناه النسيان إلا الذكر ، وهو معنى قراءة الجماعة " فتذكر " بالتشديد ، أي تنبهها إذا غفلت ونسيت . قلت : وإليها ترجع قراءة أبى عمرو ، أي إن تنس إحداهما فتذكرها الأخرى ، يقال : تذكرت الشئ وأذكرته غيري وذكرته بمعنى ، قاله في الصحاح . الثامنة والثلاثون - قوله تعالى : ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) قال الحسن : جمعت هذه الآية أمرين ، وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة ، ولا إذا دعيت إلى أدائها ، وقاله ابن عباس . وقال قتادة والربيع وابن عباس : أي لتحملها وإثباتها في الكتاب . وقال مجاهد : معنى الآية إذا دعيت إلى أداء شهادة وقد حصلت عندك . وأسند النقاش إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الآية بهذا ، قال مجاهد : فأما إذا دعيت لتشهد أولا فإن شئت فاذهب وإن شئت فلا ، وقال أبو مجلز وعطاء وإبراهيم وابن جبير والسدي وابن زيد وغيرهم ( 1 ) . وعليه فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين ، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود ، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب فهذه الحالة التي يجوز أن تراد بقوله تعالى : " ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا " لاثبات الشهادة فإذا ثبتت شهادتهم ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم فهذا الدعاء هو بحضورهما عند الحاكم ( 2 ) ، على ما يأتي . وقال ( 3 ) ابن عطية : والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب ، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم ، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والامن من تعطيل الحق ( 4 ) فالمدعو مندوب ، وله أن يتخلف لأدنى عذر ، وإن تخلف لغير ( 5 ) عذر فلا إثم عليه ولا ثواب له . وإذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوى الندب وقرب من الوجوب ، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها ، لا سيما إن كانت محصلة وكان الدعاء إلى أدائها ، فإن هذا الظرف آكد ، لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء . قلت : وقد يستلوح من هذه الآية دليل على أن جائزا للامام أن يقيم للناس شهودا ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم ، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظا لها ، وإن لم

--> ( 1 ) في ب : وعطية فلا يجب الخ . ( 2 ) في ب : الحكم . ( 3 ) في ط وب : قاله أبن عطية . ( 4 ) في ه‍ : الحقوق . ( 5 ) في ط : العذر .